الكاتبة - هويدا الشوا
كيف للإنسان أن يبدو مثاليًا وهو ليس كذلك؟ وكيف يستطيع أن يقف أمام الآخرين بصورة متماسكة، بينما في داخله الكثير من التناقضات، والخوف، والأسئلة التي لا يجرؤ على مواجهتها؟
نحن لا نعيش دائمًا كما نحن، بل كما نريد للآخرين أن يرونا. نختار كلماتنا بعناية، ونضبط انفعالاتنا، ونخفي عيوبنا، ونُظهر أجمل ما فينا، حتى نصنع صورة قد تكون بعيدة كل البعد عن حقيقتنا.
لكن خلف هذه الصورة حكاية أخرى…
فماذا تخفي؟
كم مرة تظاهرت بأنك بخير وأنت لست كذلك؟
كم مرة ارتديت القوة بينما كنت من الداخل منهكًا؟
وكم مرة صنعت من نفسك نسخة تُرضي الآخرين، حتى نسيت النسخة التي تشبهك فعلًا؟
قد يكون التمثيل أحيانًا وسيلة للهروب من نظرة الآخرين، أو محاولة للحصول على القبول، أو خوفًا من أن تظهر حقيقتنا فلا يحبنا أحد كما نحن. فنبدأ بتغيير تفاصيل صغيرة فينا، ثم تكبر التغييرات شيئًا فشيئًا، حتى نستيقظ يومًا ونكتشف أننا أصبحنا نعيش شخصية صنعناها بأنفسنا؛ شخصية لا تشبهنا، لكنها تشبه الصورة التي نريد للآخرين أن يصدقوها عنا.
نخفي غضبنا خلف الهدوء، وحزننا خلف الضحك، وخوفنا خلف الثقة، واحتياجنا خلف اللامبالاة. نختار ما نُظهره، ونخفي ما نخشى أن يُكتشف. ومع الوقت يصبح القناع مألوفًا لدرجة أننا ننسى أحيانًا كيف كانت ملامحنا الحقيقية من دونه.
والمفارقة أن الإنسان قد ينجح في خداع الجميع، لكنه نادرًا ما يستطيع أن يخدع نفسه طويلًا. فعندما يختلي بنفسه، تسقط كل الأدوار، وتعود الأسئلة التي حاول الهروب منها:
هل أنا فعلًا هذا الشخص؟
هل هذه حياتي، أم حياة صنعتها لأرضي الآخرين؟
وهل الصورة التي أحافظ عليها تستحق أن أخسر نفسي من أجلها؟
المثالية ليست أن تكون بلا أخطاء، ولا أن تظهر دائمًا قويًا، ولا أن تمتلك إجابة لكل شيء. فليس عليك أن تبدو مثاليًا طوال الوقت، وليس عليك أن تكون قويًا دائمًا، ولست مطالبًا بأن تصنع نسخة منك تشبه توقعات الآخرين.
الإنسان لا يصبح أقل قيمة حين يعترف بضعفه، ولا يصبح أقل جمالًا حين تظهر عيوبه. فالكمال الذي نحاول إظهاره للناس قد يكون أكثر إرهاقًا من الإعتراف بحقيقتنا.
فما جدوى أن تبدو كاملًا في عيون الآخرين، بينما تشعر أنك غريب عن نفسك؟
ربما أجمل نسخة من الإنسان ليست تلك التي لا عيوب فيها، بل تلك التي لا تحتاج إلى التمثيل. نسخة تستطيع أن تقول:
"هذا أنا… بما لي وما عليّ، بما أخفيه وما أظهره، بضعفي وقوتي، بأخطائي ونجاحاتي، دون أن أضطر لصناعة شخص آخر كي أستحق القبول."
لا تخف من أن تكون حقيقيًا.
لا تجعل رضا الآخرين ثمنًا تدفعه مقابل أن تفقد نفسك.
فالقناع قد يخدع العيون، لكنه لا يخدع الروح. وكلما طال ارتداؤه، أصبح خلعه أصعب… لكن الراحة التي تأتي بعده تستحق كل ذلك.
بلا أقنعة… كن أنت، لا النسخة التي صنعها الآخرون منك.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)


















.jpg)




