صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 14 ساعة و 8 دقيقة 0 19 0
سلسلة المرأة ... وخطوط الحماية: حين تتحدث الأبحاث عن الفطرة .
 سلسلة المرأة ... وخطوط الحماية: حين تتحدث الأبحاث عن الفطرة . إستمع للمحتوى

 

الكاتب - أ.د محمد احمد بصنوي .


 

حين تجلس لتتأمل تحولات مجتمعاتنا العربية في السنوات الأخيرة، تجد نفسك أمام مُفترق طرق، ليس فقط في السياسة أو الإقتصاد، ولكن في أعمق طبقات البناء الإجتماعي والنفسي للإنسان، والمسألة هنا لا تتعلق بظاهرة عابرة، وإنما بتغير في "الشيفرة الثقافية"، فالمرأة في مجتمعاتنا -وإلى وقت غير بعيد- كانت تتحرك داخل أطر مرسومة بدقة، وظائف محددة في التعليم أو الطب أو مجالات محصورة نسائياً، حيث كانت قواعد التماس بين الجنسين مُقننة ومحكومة بحدود صارمة، ومع تسارع وتيرة التحديث والانفتاح الإقتصادي، انفتحت الأبواب دفعة واحدة، ووجد الشارع والجامعة ومقر العمل أنفسهم أمام واقع جديد كلياً: الالتقاء المباشر والدائم بلا حواجز.

وهنا نطرح السؤال الذي يفرضه المنطق التاريخي والنفسي: هل يملك الإنسان -مهما بلغت درجة تحضره وعلمه- أن يتحرر من هندسة فطرته؟

إذا عدنا إلى الوثائق والدراسات النفسية، نجد أن الغرب نفسه -الذي دشن حركة الإنفتاح المباشر- توقف طويلاً عند هذه الظاهرة ليفحص نتائجها بحياد المشرط، ففي عام 1978، شهدت جامعة كانساس الأمريكية تجربة نفسية ذات دلالة، إذ وُضع رجال ونساء لا يعرفون بعضهم البعض في مواجهة مباشرة، وكان المطلوب مجرد الجلوس صامتين وجهاً لوجه لمدة دقيقتين، وكانت النتيجة أن أكثر من 60% من المشاركين سجلوا شعوراً فورياً بالإنجذاب العاطفي بمجرد "النظرة الأولى"!

وفي دراسة أحدث نشرتها مجلة سيكولوجي توداي عام 2019، طُلب من مئات الموظفين والطلاب تحديد الشخص الأكثر جاذبية في محيطهم اليومي، والنتيجة الحاسمة كانت أن 80% منهم اختاروا أشخاصاً لم تكن تجمعهم بهم أي أواصر عاطفية مسبقة، بل كان كثرة الإحتكاك المباشر وتبادل الحديث الأنسب لغرس مسببات الإنجذاب الخفي دون تخطيط مسبق.

وهذه النتائج تتطابق وتتكامل مع ما كشفه عالم الاجتماع الأمريكي إدوارد هول» في نظريته الشهيرة حول "علم المسافات المكانية" حيث أثبت أن تقليص المسافة الفيزيائية بين البشر إلى ما دون 45 سنتيمتراً (المسافة الحميمة) -وهو ما يحدث تلقائياً في بيئات العمل المكتظة والمحادثات الخاصة- يرسل إشارات عصبيّة هرمونية تفرز مادة الأوكسيتوسين والدوبامين، مما يُحفّز التعاطف والميل العاطفي اللارادي، بغض النظر عن النوايا الأولية للطرفين!

المشكلة الحقيقية لا تكمن في أصل التفاعل الإنساني، بل في «وهم التكيف» الذي اخترعه الإنسان المعاصر ليخدع به عقله الباطن لقد نشأت في ثقافة بيئات العمل الحديثة مصطلحات فضفاضة تحاول إعادة تعريف العلاقات؛ فصار هناك "السائق غير المحسوب"، و"الزميل العادي"، و"الطبيب الفوقي"... صُنّف الرجال بحسب ألقابهم ووظائفهم، ونُسي المعيار الأهم: أن الرجل رجل بقطع النظر عن موقعه.

إن هذا التفكيك المتدرج للحواجز -عبر المزاح المتبادل، والأحاديث الجانبية، وإلغاء القواعد الإحترازية تحت شعارات "المرونة" و"الذكاء الإجتماعي"- أدى في واقع الأمر إلى حالة من "التشويش الذهني والعاطفي". وتراكم هذه التفاصيل الصغيرة هو ما يورث القلب اضطراباً، ويصرف العقل عن أهدافه الإنتاجية والعملية.

تؤكد دراسة مسحية جرت في المهد السويدي لبيئة العمل (AV) عام 2014، أن ارتفاع نسب الإجهاد النفسي والأزمات العاطفية بين النساء في بيئات العمل المشتركة لم يكن ناجماً عن صعوبة المهام الوظيفية، بقدر ما كان نتيجة للضغط العاطفي والنفسي الناشئ عن الإحتكاك اليومي غير المحدود وانعدام الضوابط الفاصلة.

 

ولعل اللافت في هذا السياق هو أن المجتمعات الغربية نفسها بدأت تُجري مراجعات هادئة لهذه التجربة، أظهرت تجارب تقييمية جرت على مدارس في جزر الكاريبي، أن فصل الجنسين في المراحل الدراسية أدى إلى قفزة في التحصيل الأكاديمي وانخفاض ملموس في معدلات التوتر والاضطراب النفسي لدى الطالبات، ليس هذا فقط بل عتمدت مؤسسات مثل «جامعة بريغهام يونغ» أطر سلوكية صارمة تحد من التداخل غير المبرر بين الطلاب والتواصل المفتوح ليلاً، لحماية البيئة التعليمية من المشتتات العاطفية

 

وهنا نقف أمام المفارقة الكبرى؛ ما يصل إليه الغرب اليوم بعد سلسلة طويلة من التجارب والتحليلات المعملية، كان يقف على رأسه مفهوم شرعي وحضاري أصيل وضعته الشريعة الإسلامية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، فالإسلام لم يأتِ ليعزل الإنسان عن الحياة، ولا ليصادر حرية الحركة والعمل، وإنما جاء بـ "مفهوم الوقاية الاستباقية"، لقد أدرك النص الديني خبايا النفس البشرية بدقة متناهية؛ حينما أرسى مبدأ غض البصر، وحين جعل تعليم أمهات المؤمنين للصحابة يتم من وراء حجاب وستار.

 

وأخيرا وليس آخرًا ، فإن المحافظة على الحدود والضوابط الشرعية والأخلاقية في التعامل بين الجنسين ليست نتاج "تشدد" أو "انغلاق ذهني" كما يحلو للبعض أن يصمها، وإنما هي -في القراءة الاستراتيجية العميقة لسلامة المجتمعات- حائط صد حمايٌّ لحفظ طهارة القلوب، وصيانة الاستقرار النفسي الأسري والمؤسسي، والشواهد التاريخية والعلمية تلتقي جميعها عند نقطة واحدة: إذا أردنا لمجتمعاتنا نهضة حقيقية، فإن الطريق لا يبدأ بهدم الحدود الفطرية، بل باستعادة التوازن العاقل الذي يحمي الفرد من التشتت، ويحفظ للمؤسسة جديتها، وللمجتمع قوامته الأخلاقية.

 

 

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق