الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
تتعثر الذكريات لكي تتجمع، ثم تتراكم، لتقف بقوةٍ تستمد من ضعفي قوتها، ومن تمسكي بها قدرتها على البقاء.
أقف بحجم قسوتها، كي تتبعثر وتتلاشى، كي تشرب من نفس الكأس، وتتجرع ذكرياتها كما تجرعتها أنا.
أخطو… وأخطو… وأخطو بثقلي، كي تتبعثر في كل مكان. لا أريد لها أن تبقى قوية، أستنكر عليها قوتها وثباتها، أريد تفريق شملها، أكرهها… لا أريدها أن تحرك داخلي ضعفي، أن تستفز هدوئي، أن تعكر صفو ذهني، أن تثقل خطواتي وأنا أحاول السير إلى الأمام.
تستبق ابتسامتي لتقتلها قبل مولدها، وتحاول أن تسرق مني حتى اللحظة التي أظن فيها أنني نجوت.
وأحاول أن أشتت تجمعها بأفكاري، لكن كل يوم يُرجع فكري واحدةً منها ؛ ذكرى تقسو ، وفكرٌ يتألم، وقوةٌ تضعف.
وأمام الناس… كنتُ شيئًا آخر.
كنتُ تلك التي يعرفونها قوية.
أقف مع الناس بقوة، أحمل عنهم ما استطعت، أقول الكلمة في وقتها، وأدافع، وأواجه، وأمضي وكأن شيئًا في داخلي لا يهتز.
لم يعرفوا أنني كنت أخرج من بين أيديهم، وأغلق الباب خلفي، ثم أقف أمام نفسي شخصًا آخر تمامًا.
شخصًا لا يشبهني.
هناك… لا أحتاج إلى أن أكون قوية.
هناك، بيني وبيني، تسقط كل الأشياء التي كنت أرتبها أمام الآخرين بعناية. يسقط صوتي الذي كنت أرفعه بثبات، وينكشف ذلك الجزء الصغير مني الذي كنت أخفيه حتى عن نفسي.
أنا قوية أمامهم… وضعيفة بيني وبيني.
أقف في وجه العالم، ثم أعجز عن الوقوف في وجه ذكرى.
أستطيع أن أواسي قلبًا مكسورًا، ولا أعرف كيف أواسي قلبي.
أستطيع أن أقول لغيري: تجاوز، وامضِ، ولا تلتفت… ثم أجدني وحدي ألتفت إلى الخلف دون أن أشعر.
ولعلني لم أكن متناقضة كما ظننت؛ كنت امرأتين تسكنان امرأةً واحدة… واحدةٌ يعرفها الناس، وأخرى لا تظهر إلا حين ينصرف الجميع.
تلك هي الحقيقة التي لا يعرفها أحد.
أن القوة التي يرونها ليست كذبًا، لكنها ليست كل الحقيقة أيضًا.
أنا قوية فعلًا… لكن هناك مواضع في داخلي لا تصل إليها تلك القوة.
هناك نسخة مني لا يراها أحد، تجلس كل ليلة مع ذكرياتها، تحاول أن تقنعها بالرحيل، ثم تنتهي وهي أكثر تعبًا منها.
تلك الأيام التي يكسوها ثوبٌ ممزق، لا يزهو بأي لون، باهت، لا يواري عُري تفكيري، ولا يُدفئ جسدي من شدة صقيع برود إحساسي.
آه… آه… آه…
أيام كانت تعيق الأيام.
لا أطيق إحساسها، ولا حتى اسمها.
أبحث عن تجديد هويتي، عن نفسي التي كانت قبل أن تصبح الذكرى أقوى مني.
ليتني تواريت خلف الواقع، لسرقت سيفي، ولقتلت ذكرياتي قبل أن تتجمع، قبل أن تتخلد في قاموس التاريخ، قبل أن تتحول من لحظاتٍ عابرة إلى شيءٍ يعرف طريقه إليّ كلما ظننت أنني ابتعدت.
ليتني كنت قوية.
ليتني كنت صامدة لأصل إلى قمة النجاح في تشتيت الذكريات قبل أن تكون هي الأقوى.
ليتني كنت أستبقها لمحو الرمال، لتتوه عن زمان أفكاري وأيامي.
لكنني لم أفعل.
بل كنت أنا من ترك لها الطريق.
أنا من ساعدها على أن تكبر.
أنا من كنت أعود إليها كل مرة، ثم أتعجب كيف أصبحت بهذا الثقل.
تتعثر الذكريات لكي تتجمع، وأنا كنت أظن أنني أبعثرها… ولم أنتبه أنني كنت أعيد ترتيبها في داخلي.
أعتذر لنفسي.
أعتذر لذاتي.
أرجوكِ تقبلي أعذاري، وضعفي، وهواني، وقلة حيلتي على قتل ذكرياتٍ باتت هي القوة، وباتت سيدة الموقف.
تمتلك جنودًا وجيشًا…
وأنا من ساهم في تكوينه.
أنا من كانت تقوم بدور المتفرج الصامت عن الحق.
أنا من قدمت لهم العُدّة وأدوات السلاح.
أنا من ساعد في تركيب عناصرهم لتقوى صفوفهم.
كل مرة استعدت فيها ذكرى، كنت أضيف جنديًا.
كل مرة فتشت فيها الماضي، كنت أزيد صفوفهم.
كل مرة قلت فيها: ماذا لو؟، كنت أفتح لهم بابًا جديدًا.
حتى أصبحوا جيشًا لا أعرف كيف أواجهه.
والآن أقدم أعذاري، وقد بتُّ ضعيفةً وحيدة.
لا أمام الناس…
فالناس ما زالوا يرونني كما عرفوني.
لكنني أمام نفسي… لم أعد أملك تلك القوة التي يظنونها.
ارحميني أيتها النفس.
تقبلي خطواتي المتكسرة .
لقد تحطمت عزتي وكبريائي في أماكن لم يرها أحد، وتبعثر ذلك الطموح والشموخ الذي كنت أحمله أمام العالم.
لم يرَ أحدٌ سقوطه.
لأنني كنت أرتب ملامحي قبل أن أخرج إليهم.
كنت أرتدي قوتي كما يرتدي الإنسان ثوبه، وأخرج بها إلى الناس، ثم أعود في آخر اليوم فأخلعها عند باب غرفتي… وأجلس أمام نفسي عاريةً من كل ادعاء.
أقدم أسفي…
فقد بدأتُ أكون سيدة الموقف السلبية في حياتي، نفسي التي كانت تعرف الحقيقة وسكتت، والتي رأت الذكريات تكبر ولم تفرق جمعها، حتى أصبح لها من القوة ما يكفي لتستولي على أيامي.
نفسي… اعذريني.
لم تكوني ضعيفة كما ظننت.
كنتِ متعبة.
ولم تكوني عاجزة عن الوقوف…
كنتِ فقط تقفين طويلًا أمام الجميع، حتى نسيتِ أن لكِ حقًا في أن تسقطي قليلًا حين لا يراكِ أحد.
فأيًّا كانت المرأة التي يراها الناس في الخارج، وأيًّا كانت تلك التي تجلس الآن بيني وبيني… كلتاهما أنا.
واحدةٌ تحارب العالم كي لا تنكسر أمامه…
وأخرى تحاول، بصمت، أن تجمع ما تبقى منها.
وتقبلي فائق تقديري واحترامي…
على صمودكِ إلى الآن .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)
















.jpg)




