بين متاهات الحروف ومهابة المعاني
الإعلامي/ خضران الزهراني
ليس كلُّ صمتٍ خلوًّا، ولا كلُّ كلامٍ امتلاءً؛ فثمّةُ أرواحٌ تُجيدُ ارتداءَ الضجيج، لكنها تعجزُ عن نُطقِ الحقيقة، وثمّةُ قلوبٌ تُقيمُ في محرابِ السكون، فإذا نطقتْ أشرقتِ المعاني كما يُشرقُ الفجرُ من خاصرةِ الليل.
إنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما يملك، بل بما يتركُه في الأرواحِ من أثرٍ، فالأيادي قد تُصافحُ آلافًا، ولكنَّ القلوبَ لا تفتحُ أبوابَها إلا لمن حملَ مفاتيحَ الوفاءِ، والوفاءُ معدنٌ نادرٌ لا يُستخرجُ إلا من مناجمِ الصادقين.
وفي دهاليزِ الحياةِ لُغزٌ لا يُدركُه إلا أصحابُ البصائر: كلما ازددتَ رفعةً، وجدتَ من يحاولُ أن يقيسَ قامتَك بظلِّه، لا بطولِك. فالعاقلُ لا يُخاصمُ الريح، ولا يُجادلُ الموج، لأنَّه يعلمُ أنَّ الجبلَ لا تُحرِّكهُ زوابعُ العابرين.
وقال الشعر:
أمشي وتسبقُني الخطى نحوَ المدى
وكأنَّ دربي في الضلوعِ دليلُ
ما ضرَّ شمسَ المجدِ أنْ أخفى الدُّجى
فالفجرُ يعرفُ أينَ يُولدُ جيلُ
إنَّ اللآلئَ لا تُرى في سطحِهِا
بل في الأعماقِ استقرَّ جميلُ
والسرُّ ليسَ بما تقولُ شفاهُنا
بل ما تُخبِّئُهُ القلوبُ طويلُ
ويبقى اللغزُ الأكبر:
ما الشيءُ الذي كلما سعيتَ خلفَه هربَ منك، فإذا زهدتَ فيه أقبلَ إليك؟
جوابُه: الدنيا؛ فإنها تُدركُ الزاهدَ فيها، وتُعاندُ اللاهثَ خلفَها.
وهكذا تمضي الأيام، تُعلِّمُنا أنَّ الهيبةَ ليست ارتفاعَ الصوت، وأنَّ الحكمةَ ليست كثرةَ الكلام،
وأنَّ أعظمَ الانتصاراتِ هي تلك التي لا تحتاجُ إلى تصفيقٍ؛ لأنَّ التاريخَ يكتبُها بصمتٍ، والزمنُ يشهدُ لها بعدلٍ.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)
.jpg)















.jpg)





