الكاتبة - مريم سليمان الجهني.
شدّني مقطع ظهر لي أثناء تقليبي في تيك توك لشخص اسمه عبدو ناصيف، صانع محتوى لم أكن أنوي البحث كثيرًا عن سيرته الشخصية، لكن بعض التعليقات التي قرأتها عنه جعلتني أتوقف طويلًا؛ ليس أمام قصته وحدها، وإنما أمام الطريقة التي ينظر بها بعض الناس إلى الإنسان، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بشكل جسده أو باكتمال أعضائه.
بحثت عنه، فعرفت أنه كان يعيش حياته بشكل طبيعي، يعمل مضيف طيران، ثم شاء الله أن يتعرض لحادث غيّر مسار حياته، فانتقل من حياة اعتادها إلى حياة جديدة وتجربة لم يخترها، لكنه تعلّم أن يعيشها ويتجاوزها.
والمؤلم ليس ما حدث له؛ فالحياة قد تغيّر مسار أي إنسان في لحظة، وإنما المؤلم أن بعض الناس ما زالوا يختصرون الإنسان في جسده، أو في شيء فقده، وكأن فقدان عضو يعني فقدان جزء من قيمة الإنسان.
وهنا أتساءل:
هل جعل الله شكل الإنسان، أو لونه، أو اكتمال جسده معيارًا لقيمته؟
قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
وقال النبي ﷺ:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
فإذا كان هذا هو الميزان عند الله، فمن نحن حتى نجعل الشكل واللون والجسد ميزانًا نحاكم به الناس؟
الله ينظر إلى القلوب والأعمال، ونحن ما زلنا أحيانًا أسرى للصور والمظاهر.
ليس الإنسان من كان كامل الأعضاء، إنما الإنسان من كان كامل العطاء.
فكم من إنسان اكتملت أعضاؤه، ونقص عطاؤه، وكم من إنسان فقد شيئًا من جسده، لكنه أعطى للحياة أكثر مما أعطاها كثيرون ممن اكتملت أجسادهم.
فكم من إنسان اكتملت أعضاؤه، وصحت جوارحه، وقامت به القدرة، لكنه عطّلها بكسله واتكاله؛ لا ينهض من فراشه إلا لحاجته، ولا يسعى لرزقه، وينتظر والديه ليحملا عنه مسؤولية يومه وقوت عيشه، حتى أصبح جسده كاملًا، بينما عطاؤه غائب.
وفي المقابل، كم من إنسان ابتُلي في جسده، وفقد شيئًا من قدرته، لكنه لم يفقد إرادته؛ قاوم، وسعى، وأنتج، وأعطى، وصنع من واقعه إنجازًا يرفع به رأسه ورؤوس من حوله.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي:
ليس الكمال أن تملك جسدًا قادرًا، وإنما الكمال أن تجعل مما تملكه عطاءً وأثرًا.
والأعضاء مهما اكتملت فهي إلى زوال؛ فعند الموت يتحلل الجسد ويعود إلى التراب، ولا يبقى للإنسان شكل ولا لون ولا هيئة، وإنما يبقى عمله، وأثره، وما زرعه في قلوب الآخرين.
فما قيمة جسد مكتمل إذا كان القلب عاجزًا عن الرحمة؟ وما قيمة جمال الملامح إذا كان الإنسان لا يرى في الآخرين إلا ما ينقصهم؟
والجمال الحقيقي ليس في هيئة الجسد، وإنما في قلب يشعر، وروح ترحم، ويد تعطي، ونفس لا تؤذي.
ولعل عبدو ناصيف، دون أن يعلم، يذكّرنا بحقيقة عظيمة: أن الإنسان أكبر من جسده، وأعمق من ملامحه، وأعظم من أي شيء فقده.
ومن المؤسف أن بعض الناس، بدل أن يسألوا عن إنجازه، أو عن رحلته، أو عن القوة التي جعلته يتجاوز ما مرّ به، ينشغلون بتفاصيل جسده؛ حتى إن بعضهم سأله: كيف تلبس الساعة؟
وهنا أقول:
بعض الأسئلة الأفضل أن تبقى حبيسة الذاكرة، وألا تجد طريقها إلى اللسان.
ليس لأن السؤال عيب، ولكن لأن بعض الإجابات قد تكون وجعًا لا نعرفه.
حين ترى إنسانًا يقف أمامك قويًا، ويبتسم، ويمارس حياته، لا تظن أن كل شيء بداخله أصبح سهلًا. قد يكون استمد قوته من الله، وقد يكون تعلّم كيف يتجاوز، لكنه، مثلنا جميعًا، يحتاج أحيانًا إلى كلمة حانية، وإلى يد تشد من أزره، وإلى قلب يشعر به دون أن يطالبه بشرح ما يؤلمه.
بعض الناس يظنون أن من يبدو قويًا لا يحتاج إلى دعم، والحقيقة أن أقوى الناس قد يحتاجون أحيانًا إلى من يقول لهم:
أنا أراك، وأقدّر ما تجاوزته، وأنا إلى جانبك.
لا تجرح إنسانًا يحتاج إلى أن تشحن طاقته بسؤال كان يمكن أن يبقى في داخلك.
فالإنسانية ليست أن تعرف كل شيء عن الآخر، وإنما أن تعرف متى تسأل، ومتى تصمت، ومتى تمد يدك دون أن تطلب تفسيرًا.
وليس كل ما يثير فضولنا يستحق أن ننطق به؛ فبعض الأسئلة قد تبدو بسيطة في أعيننا، لكنها ثقيلة جدًا على قلب صاحبها.
فاسأل نفسك قبل أن تسأل غيرك:
هل سؤالي سيضيف إليه شيئًا جميلًا، أم سيعيد إليه شيئًا حاول طويلًا أن يتجاوزه؟
فإن كان السؤال لا يضيف إلا وجعًا، فالصمت في تلك اللحظة ليس جهلًا… بل إنسانية.
وعندنا في وطننا أمثلة كثيرة لا تُعد ولا تُحصى لأشخاص أثبتوا أن الإنسان لا تحدده إعاقته، ولا كرسيه، ولا ما فقده من جسده، وإنما تحدده إرادته وعطاؤه وأثره.
ومن هذه النماذج البطل زياد مطر العروي الجهني، الذي حقق فوزه الأول في تحدي بفلندا على المنتخب الإيطالي، وحقق إنجازًا باسم الوطن وهو على كرسيه.
فهل كان الكرسي حاجزًا أمام طموحه؟
أم أن الحاجز الحقيقي كان يمكن أن يكون في نظرة من حوله، لو اختصروا قصته في كرسيه ولم يروا البطل الذي بداخله؟
وزياد ليس وحده؛ هناك الكثير والكثير من الأبطال الذين لو أردنا حصرهم لما انتهينا.
لكننا لسنا بحاجة إلى حصر الأسماء، ولا إلى تعداد الإنجازات.
نحن بحاجة إلى صحوة قلوب.
صحوة تجعلنا نرى الإنسان قبل اختلافه، ونرى عطاءه قبل ما فقده، ونرى روحه قبل جسده.
نريد أن نتوقف عن النظر إلى الكرسي قبل صاحبه، وإلى الإعاقة قبل الإنسان، وإلى الاختلاف قبل الروح.
نريد أن نفهم أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يثبت لنا أنه يستحق الإحترام؛ فهو يستحقه لأنه إنسان.
فربما الشخص الذي تنظر إليه بعين الشفقة، ينظر إلى نفسه بعين القوة.
وربما من تظنه ناقصًا، هو أكثر اكتمالًا منك في الصبر والعطاء.
وربما الجسد الذي تراه مختلفًا يحمل روحًا أقوى من أرواح كثيرة لم تعرف معنى الإبتلاء.
ولعل ابتلاءه في جسده كان اختبارًا له، بينما اختبارنا نحن في قلوبنا ونظرتنا وكلماتنا.
فليست كل الإبتلاءات في الأجساد؛ بعضها في القلوب.
وليس كل من فقد شيئًا ناقصًا؛ فقد يكون النقص الحقيقي في قلب لا يشعر، وعين لا ترى إلا المظهر، ولسان يجرح إنسانًا لم يؤذه.
وفي النهاية، سيعود كل جسد إلى التراب، وستبقى الروح، ويبقى العمل، ويبقى الأثر.
فلا تجعلوا من الشكل ميزانًا للإنسان، ولا من الجسد معيارًا للكرامة.
انظروا إلى الإنسان كما أراد الله أن نراه: بقلبه، بتقواه، بأخلاقه، بعطائه، وبالأثر الذي يتركه.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من القصص التي تثبت لنا أن أصحاب الإعاقة قادرون؛ نحن بحاجة إلى قلوب تدرك أنهم لم يكونوا يومًا أقل منا.
نحتاج أن نتعلم أن بعض الكلمات دواء، وبعضها جرح، وأن بعض الأسئلة فضول، وبعض الصمت رحمة.
نريد صحوة قلوب فقط.
صحوة تجعلنا ندرك أن الإنسان قد يخسر جزءًا من جسده، لكنه لا يخسر قيمته.
وقد يتغير شكله، لكن لا تتغير إنسانيته.
وقد يحتاج إلى كرسي ليحمل جسده، لكنه قد يحمل في داخله من القوة ما لا تحمله قلوب كثيرة.
وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان شكل ولا لون ولا جسد.
يبقى عطاؤه.
يبقى أثره.
تبقى إنسانيته.
ولهذا أقول:
ليس الإنسان من كان كامل الأعضاء…
إنما الإنسان من كان كامل العطاء.
⸻
نقطة من أعماق القلب
ولا ننسى أبدًا شيخنا الفاضل الجليل، مفتي المملكة العربية السعودية، الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله رحمةً واسعة.
فقد بصره وهو في مقتبل العمر، لكن الله عوّضه ببصيرة العلم، وقوة الإدراك، وسعة الأثر؛ حتى أصبح من كبار علماء الأمة، ومفتيًا عامًا للمملكة، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء.
وكذلك شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، الذي كان كفيف البصر، ولم يكن فقدان البصر حاجزًا بينه وبين العلم والعطاء، بل ظل إمامًا في العلم، معلّمًا ومرشدًا، ينتفع الناس بعلمه.
رحم الله شيخينا رحمة واسعة.
وهنا أتوقف قليلًا وأقول من أعماق القلب:
كم نحتاج أن نفهم أن العمى ليس دائمًا في العين، وأن البصر ليس دائمًا رؤية!
قد ترى العين، لكن لا يرى القلب.
وقد تبصر الملامح، لكن تعجز عن رؤية الإنسان.
وقد تكون العينان مفتوحتين، بينما القلب مغلق عن الرحمة.
وقد يفقد الإنسان بصره، لكن الله يفتح له من أبواب البصيرة والعلم والإدراك ما يجعله نورًا لغيره.
قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
رحم الله ابن باز وابن عثيمين، ورحم علماءنا وأهل العلم والعطاء، فقد كانوا درسًا حيًا لنا بأن قيمة الإنسان ليست فيما تراه العين، وإنما فيما يراه الله منه.
وليتنا نأخذ من سيرتهم شيئًا من تلك البصيرة؛
ليتنا نبصر الإنسان قبل أن نبصر شكله،
ونبصر قلبه قبل جسده،
ونبصر عطاءه قبل ما فقده.
وليتنا نصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها الإنسان أن يثبت لنا أنه قوي، ولا أن يشرح لنا كيف تجاوز، ولا أن يبرر لنا اختلافه.
يكفي أنه إنسان.
وهذه هي الصحوة التي أتمناها…
صحوة قلوب .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)
















.jpg)




