صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 ساعة 0 3 0
الحمدلله… ما بين نبضةٍ وسجدة .
الحمدلله… ما بين نبضةٍ وسجدة . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة: مريم سليمان الجهني .


 

الحمدلله… تحميدًا لا يُحصى، وثناءً لا يحيط بعظمة الله، على نِعَمٍ تمت بين جفنٍ ورمش، وبين نبضةٍ وأخرى؛ نِعَمٍ نعيشها حتى ألفناها، فنسينا أن مجرد استمرارها فينا فضلٌ لا نملك له شكرًا يوازيه.

 

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

 

الحمدلله على نفسٍ يدخل صدري ويخرج، وعلى قلبٍ ينبض دون أن آمره، وعلى جسدٍ يحملني وأنا غافلة عن آلآف النعم التي تجري فيه كل لحظة.

 

الحمدلله على صلاةٍ كلما وضعتُ جبيني على الأرض، شعرتُ أنني أضع ضعفي كله بين يدي من لا يعجزه شيء؛ سجدةٌ أترك فيها أثقال قلبي، فأقوم وكأن شيئًا من رحمة الله مرّ على روحي ومسح عنها ما عجزت عن حمله.

 

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

 

والحمدلله على شمسٍ تشرق كل صباح، وكأنها تفتح للنهار بابًا جديدًا من أبواب رحمته، وعلى قمرٍ يمرّ في عتمة الليل بهدوء، وعلى طيورٍ تغادر أعشاشها ولا تحمل معها ضمانات الغد؛ تطير وتسعى وتعود، وكأنها تعرف بفطرتها أن رزقها عند الله.

 

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

 

ثم أنظر إلى نملةٍ صغيرة لا تكاد العين تدركها، فأرى في صِغرها عظمة الخالق. جسدٌ دقيق، وتكوينٌ محكم، وطريقٌ تعرفه، ورزقٌ تسعى إليه، ومأوى تعود إليه؛ حياةٌ كاملة أودعها الله في مخلوقٍ لا نكاد نراه.

 

تمضي أقدام البشر فوق الأرض، وقد لا نلتفت إلى ذلك العالم الصغير الذي يعيش تحت خطواتنا، ومع ذلك لا يضيع رزقها، ولا يغيب أمرها عن خالقها، ولا تنقطع حياتها لمجرد أنها ضعيفة وصغيرة.

 

فكيف لا يكون هذا موضعًا للحمد؟

 

إذا كان الله لا ينسى نملةً في شق الأرض، ولا طيرًا في جو السماء، فكيف ينسى عبدًا رفع يديه إليه؟

 

وهنا أفهم أن الحمد ليس كلمةً تُقال حين تأتي النعمة فقط؛ بل بصيرةٌ ترى يد الله في كل شيء. أرى النملة فأحمد، والطير فأحمد، والشمس فأحمد، والسجود فأحمد، والنفس الذي يدخل صدري فأحمد.

 

ثم الحمدلله على صبرٍ تجسّد في داخلي على هيئة قوةٍ أبهرتني أنا قبل غيري. صبرٌ لم أكن أعرف أنه يسكنني، حتى وضعتني الأيام أمام ما ظننته أكبر مني، فإذا بي أقف.

 

وعندها رأيت عظمة الخالق في تدبير أمري؛ وكأن المعنى يصل إلى قلبي دون صوت:

 

هذه أنتِ… عبدتي الضعيفة، التي جعلتها قوتي قوية، وأعطيتها من القوة ما لم تكن تعرف أنها تملكه.

 

الحمدلله على كل مرة ظننت أنني انتهيت، فإذا بي أبدأ من جديد، وعلى كل بابٍ أُغلق، ثم فتح الله لي من حيث لم أحتسب، وعلى كل ألمٍ ظننته كسرًا، ثم اكتشفت أنه كان يعيد تشكيل روحي.

 

﴿وَاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾

 

ولولا لطف ربي لتمكّن مني ما حاول أن يثقل قلبي ويصرفني عن يقيني، ولكن الله كان ألطف بي من خوفي، وأرحم بي من ضعفي.

 

الحمدلله عدد ما تنفّس خلقه، وعدد ما رفرفت أجنحة الطيور، وما أشرقت شمس، وما أضاء قمر، وما مشت نملةٌ تبحث عن رزقها، وما سجد عبدٌ بين يدي ربه.

 

الحمدلله على كل مرة أُغلقت فيها الدنيا في وجهي، ثم فتح الله لي بابًا؛ كأرضٍ عانقها المطر بعد طول جفاف، وكقلبٍ ظن أن الفجر لن يأتي، فإذا بالنور يتسلل إليه من أول خيط.

 

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

 

الحمدلله… لا لأن الحياة جاءت دائمًا كما تمنيت، بل لأنني كلما تأملت ما حولي، ازددت يقينًا أنني في تدبير ربٍ لا ينسى أصغر خلقه، ولا يغيب عنه شيء.

 

فالحمدلله حمدًا لا يبلغ نعمه، وثناءً لا يوافي فضله، وسجودًا يعترف فيه القلب بعجزه عن شكره.

 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

 

الحمدلله حتى يرضى، والحمدلله إذا رضي، والحمدلله بعد الرضا.

 

الحمدلله على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما فهمت حكمته، وعلى ما غابت عني حكمته؛ لأنني في كل الأحوال أعلم أن الذي دبّر أمري هو الله .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق