الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
أخبرته أنها متعبة،
لا تعبًا عابرًا يُقال ثم يُنسى،
بل تعبٌ بلغ حدّ أن نامت بملابسها،
أن تُهزم أمام أبسط طقسٍ يومي،
أن تعجز عن التبديل،
عن التخفف،
عن أن تتهيأ للنوم كما يفعل الأصحّاء.
نامت دون وعي،
لا لأن النوم رغبة،
بل لأن جسدها انهار
حين عجز عقلها عن الإحتمال.
تعبٌ لم يكن واحدًا،
بل مزيجًا من مقادير لا تقبل المزج،
منها ما هو غير خام،
مغلق على نفسه،
لا يد يستطيع لمسه ولا عقل يجرؤ على فتحه،
ومنها ما هو عتيق،
قديم إلى حدّ أنه فقد اسمه وبقي أثره شاهدًا على الجرح،
ومنها ما لا يُعرف له تعريف،
ألمٌ بلا عنوان،
مجهول المصدر،
لا يُعثر عليه حتى في ذاكرتها،
ومنها ما هو جديد،
حديث النزف،
لم يجف بعد،
ولا يزال يرفض الإعتراف
كأن الإعتراف يزيد وجعه.
اختصرت كل ذلك،
اختزلت هذا التراكم كله،
في جملة واحدة:
نامت بملابسها.
لكنها لم تكن مجرد جملة،
كانت ترجمة عاجزة
لما لم تستطع قوله.
هو لم يعِ معنى الكلمة،
لم يحاول تفكيكها،
لم يسأل عن مقاديرها المعقدة،
لم يفصل حروفها
ليدرك كم حملت من مقادير موجعة،
وكيف كان اختصارها لها
ليس تهوينًا،
بل استنزافًا أخيرًا للقوة.
كلمة واحدة كانت تعني لها الكثير،
ولو تُرجمت بصدق،
ولو أُخذت على محملها الكامل،
ولو قُرئت كما تُقرأ الجراح،
لعرف ما كانت تعنيه دون شرح.
قالت إنها متعبة،
فهل كان هذا بعيدًا عن فهمه؟
أم أن القرب الذي ظنته
لم يكن إلا وهمًا مريحًا؟
هل لم يكن قريبًا منها
كي يفهمها؟
أم أنه فهم
واختار أن يبتعد؟
أم انسحب ببطء
خشية أن تتضاعف مقادير الكلمة
وتثقل عليه أكثر مما يحتمل؟
ماذا فعلت؟
هل أخطأت حين ظنت
أن أحدًا يمكنه أن يرى تعبي
دون أن تشرحه؟
هل توهمت أنها وجدت من أخفاه الزمن
ليكون ملاذًا،
فإذا به امتدادًا للصمت؟
ما الذي كان؟
ولِمَ كان؟
وهل الصدف تشعر
بمن شوهت الأقدار واقعه؟
كانت تحلم بالصدفة،
ظنت أنها ليست لحظة عابرة،
بل قوة خفية،
ستجمعه بها لتفهمه من كلمة واحدة:
نامت بملابسها.
ظنت أن الصدفة جمعتهما
ليُكملا بعضهما،
ليُفهما بعضهما دون كلمات،
ليبدّد المزج المعقّد،
ويغيّر الأقدار كما حلمت،
ويضع نهاية للثقل الذي حملته وحدها.
لكن الكلمة لم تُفهم،
لم تُلتقط،
لم يُعطَ لها حقها،
وسقط الحلم معها.
انكسر صمتها،
حين أدركت أن الصدفة
ليست أبدًا ما حلمت بها،
ولا تملك القدرة على إعادة ترتيب الأقدار،
ولا على حل المزج المعقّد،
ولا على تغيير المفاهيم التي أحاطت بها.
وفجأة، شعرت بالوحدة المزدوجة:
تعب الجسد وحده،
وخيانة الأمل وحده،
وحلمها بأن كلمة واحدة كافية لكي يفهمها،
تلاشى بلا أثر.
وبقي السؤال يزن داخلها،
ثقيلًا ومؤلمًا:
هل كانت تظن بحسن الصدف؟
هل بالغت في الإيمان
بأن الصدفة قد تُنقذ؟
أم أن بعض التراكمات
لا يُحلّها أحد،
مهما بدت الصدفة
مُنقذة في بدايتها؟
وبقيت وحدها،
محمولة بثقل كلمات لم تُفهم،
وحلمٍ خائبٍ لم يأتِ،
مع صمتٍ أكبر من أي نوم،
مع وجعٍ أعمق من أي احتواء،
ومع “نامت بملابسها”
التي لم يفهمها أحد.
وبينما كانت تحدق في الفراغ،
أدركت أن الألم الذي حملته لن يُرفع عنها،
وأن الصدفة التي حلمت بها
لم تأتِ لتغيّر شيئًا،
بل لتتركها محاصرة بين صمت العالم،
ووجعها الخاص الذي لا يراه أحد،
وأن بعض التعب
يبقى وحيدًا،
حتى يخنق قلبها،
وأن بعض الألم
لن يجد من يفرغه،
وأن “نامت بملابسها” ستبقى صرخة صامتة
لن يسمعها أحد أبدًا،
حتى هي نفسها لم تعد قادرة على سماعها .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)



.jpg)
.jpg)





.jpg)
.jpg)



.jpg)













.jpg)

.jpg)




