الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .
لم تكن هناك طرقٌ كثيرة أمام أقدامنا لنختار،
ولا طريقٌ بلا أشواك
تجرح موطئ الروح.
لم نتمنَّ النزف،
ولم نطلب أن يستمر
ما شاءت الأقدار،
لكنها كانت مكتوبة
في دفاتر الحياة،
مؤجَّلة إلى حين،
حتى بدأت الأقدار تقرأ أسماءنا
وتنطق أحكامها
ثم ترميها على طرقاتنا
دون إنذار.
لم يكن هناك متسعٌ
لنبدأ،
ولا فرصة لنناقش.
قرارات فُرضت علينا جبرًا لا فضلًا،
واجتمعت في محاكم الأقدار
لتنفيذ القوانين
دون استثناء
أو حق استئناف.
مرفوض…
حتى لو كان المحكوم بريئًا.
لا دليل قطعي،
ولا تحقيق،
ولا سؤال:
هل نحن الجناة حقًا؟
أم أن الجريمة نُسبت،
ثم نُفِّذت،
ثم حُكم بها؟
نحن أحرارٌ خارج السجن،
مسجونون في الداخل.
نشبه أولئك
المكبّلين بالأصفاد،
الذين يصرخون
بصوتٍ بلا صوت:
نحن أبرياء.
نشبه محكومًا بالسرقة
لم يسرق،
وحين يخرج
لا يخرج هو،
بل يخرج شخصٌ آخر.
قد يسرق،
وقد يفعل ما لا يشبهه،
لا اقتناعًا،
بل لأن السجن علّمه
أن البراءة لا تحمي.
هكذا نحن.
سُجِنّا دون ذنب،
ودُفعنا ثمن كوننا بشرًا صادقين.
مات داخلنا إنسان،
وخرج إنسان آخر.
لسنا من أردنا أن نكون،
بل من فُرض علينا أن نكون.
فمن نحن إذًا؟
هل كل من دخل السجن جانٍ؟
أم أن بعضهم ضحية؟
وهل كل مريضٍ نفسي مريض فعلًا،
أم أن بعضهم
ضحايا وجعٍ
لم يُعالَج؟
نحن مجرمون بلا جريمة،
ومرضى بلا مرض،
ضحايا نزفٍ
لم تتلطخ به أيدينا،
لكن نزفت به أرواحنا.
خضعنا لمسكنات الألم
دون رغبة،
وتغيّرنا دون اختيار.
نحن لسنا نحن،
بل نسخة صُنعت
لأجل الآخرين،
بقلبٍ خُذل،
وقلبٍ كُسر،
فأنجب قلبًا آخر
لا يشبه الأول.
ولذلك…
حين نتصرف بلا وعي،
حين نقسو ونحن لا نحب القسوة،
حين نخطئ بطريقة
لا تشبه حقيقتنا،
فليس لأننا أشرار،
ولا لأننا اخترنا هذا الوجه،
بل لأن الوعي انتُزع منّا
تحت الضغط،
تحت الخوف،
وتحت أحكامٍ
لم نُمنح فرصة الدفاع عنها.
نحن نتصرف أحيانًا
بعقلٍ مُنهك،
وبقلبٍ يتصرّف غريزيًا
لينجو… فقط لينجو.
نحن لم نفقد وعينا،
بل وُضعنا في حالة بقاء،
والبقاء
لا يُشبه الإنسان
حين يكون كاملًا.
لهذا نتصرف أحيانًا
وكأننا لسنا نحن،
لأن نحن الحقيقي
تأذّى حدّ الغياب،
ولم يعد يظهر
إلا حين يأمن.
فهل يوجد من يترافع عنا
في قضية
لم نكن طرفًا فيها؟
أم أننا سنبقى
محكومين
بجريمة
لم نرتكبها…
ورغم كل ما حدث…
لا يزال في داخلنا
ذلك الإنسان الأول
ينتظر لحظة أمان،
ينتظر قلبًا لا يحاكمه،
وصوتًا يقول له:
أنت لم تكن مجرمًا…
كنت فقط متعبًا
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)


.jpg)
.jpg)

.jpg)





.jpg)
.jpg)














.jpg)

.jpg)




