صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 2 ساعة و 1 دقيقة 0 7 0
السكن الروحي .
السكن الروحي . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني  


 

 

(سر بقاء الحب والمودة بين الزوجين في زمنٍ متسارع)

 

في زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتتشابك المسؤوليات اليومية، نلحظ ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الطلاق؛ سواء بعد أشهر قليلة من الزواج، أو بعد عقود طويلة قد تمتد إلى نصف قرن أو أكثر. والطلاق المتأخر على وجه الخصوص لا يكون غالبًا نتيجة تقصير طرف واحد، بل حصيلة تراكمات صامتة اشترك فيها الزوجان معًا عبر سنوات طويلة دون مواجهة حقيقية.

 

بين الزوجين، يكمن السبب في خفايا الحياة المشتركة: مشاعر لم يُفصح عنها، صمتٌ طال حتى تحوّل إلى جدارٍ عازل، وانفصال روحي يسبق الطلاق الفعلي بزمن، لكنه لا يُرى ولا يُناقش.

 

في الماضي، كان الزوج يتحمّل العبء المادي، ويرى أن دوره ينتهي عند تأمين البيت والإحتياجات الأساسية، بينما كانت الزوجة تصبر وتتحمّل وتبذل بصمت، مستحضرة صورة أمها وجدتها. كان الصبر جزءًا من الثقافة، وتأجيل الخلافات يُعدّ حكمة، لكنه في كثير من الأحيان كان يؤجّل المواجهة أكثر مما يحلّها.

 

أما اليوم، وفي زمن السرعة والسوشيال ميديا، بات القرار النهائي أكثر استعجالًا. الغضب، الملل، والفراغ الروحي غير المُلبّى يجعل الطلاق حلًا جاهزًا، رغم أن كثيرًا من هذه العلاقات كان يمكن إنقاذها لو وُجد الحوار في وقته.

 

حين يرى الزوج زوجته مجرد أمّ ومسؤولة عن البيت، وحين تصمت الزوجة عن حاجتها للإحتواء والإهتمام، تبدأ المسافة بالإتساع. كل طرف ينتظر مبادرة الآخر، وكل طرف يبحث عن راحته خارج العلاقة، فتُفتح أبواب خاطئة: صديق غير أمين، نصيحة مضللة، أو وهم بداية جديدة لا يعالج أصل المشكلة.

 

﴿ وَلَا تَنسَوُوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

تذكّرنا هذه الآية أن العلاقة لا تُقاس بالأدوار فقط، بل بتقدير العطاء المتبادل؛ كلمة، احتواء، حضور، وتضحية يومية تحفظ الإحترام وتُبقي المودة حيّة.

 

 

الحاجة إلى السند الحقيقي :

 

في جوهر الزواج، يحتاج كل طرف إلى شريك يكون صديقًا ورفيقًا قبل أن يكون دورًا أو مسؤولية. يحتاج إلى كتف يحتويه في لحظة ضعف، وصبر لا يُشعره بالثقل، وفهمٍ لا يطالبه بالتبرير الدائم. كما تحتاج الزوجة إلى من يرى جهدها، يخفف عنها، ويمنحها مساحة إنسانية بعيدًا عن ثقل الواجبات اليومية.

 

 

التجرد المؤقت واستعادة الروح

 

من الحلول العملية لتجديد العلاقة: تخصيص وقت خالص للزوجين بعيدًا عن ضغط المسؤوليات؛ رحلة قصيرة، جلسة هادئة، أو مساحة صادقة للحوار. هذا الإنفصال المؤقت عن الضغوط يتيح تفريغ المشاعر، ويعيد التذكير بما جمعهما قبل أن تثقلهما الأدوار.

 

 

درس في الحب والصبر

 

نتذكر موقف عائشة رضي الله عنها حين غضبت من النبي ﷺ، فركضت خلفه بعد أن حاول أبو بكر رضي الله عنه تأديبها، متجاوزة غضبها، ليتجدد بينهما الحب بالمودة والصبر والرحمة.

هذا يعلمنا أن الحب يحتاج إلى سند وكتف لا يميل، وصبر ورحمة متجددة، وأن المبادرة بالمصالحة والإعتراف بالمشاعر تقوي العلاقة وتثبت المودة بين الزوجين.

 

 

حين تتراكم السنوات

 

الطلاق بعد سنوات طويلة لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة احتياجات عاطفية وروحية وُضِعت في خزائن مكبوتة، أُغلقت بحسن نية، ولم تُفتح إلا حين ضاق القلب، ولم يعد الصبر قادرًا على الترميم، فكان الطلاق آخر قرار لا أوّلَه.

 

وهنا تتجلّى حكمة قوله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

فالمودة والرحمة ليستا شعورين عابرين، بل ممارسة يومية تحفظ السكن الروحي وتمنح العلاقة قدرتها على الإستمرار.

 

 

وهم الهروب إلى البديل

 

حين يهرب أحد الطرفين إلى علاقة جديدة بحثًا عن دفء مفقود، ينسى أن المشكلة لم تكن في الشخص، بل في غياب المواجهة. فكل علاقة لا تُبنَى على حوار واحتواء ستصل يومًا إلى ذات النقطة، مهما اختلفت الوجوه.

 

 

الخلاصة

 

الزواج ليس دورًا اجتماعيًا ولا عقدًا شكليًا، بل سكنٌ روحي قبل أن يكون بيتًا. الطلاق المتأخر لا يولد من لحظة، بل من صمتٍ طال، ومشاعر أُهملت، وشراكة لم تُجدَّد.

 

وحين يكون كل طرف سندًا للآخر، وكتفًا لا يميل، تعود المودة صديقة، ويصبح الصبر اختيارًا، ويستمر الزواج دافئًا… لا بحكم العِشرة فقط، بل بحضور القلب والروح .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق