الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .
في حلقة 31 يناير من برنامج أكشن يا دوري الذي يقدّمه الإعلامي وليد الفراج، تحوّل المنبر الإعلامي الرياضي إلى مساحة يُبث عبرها تشكيك في نزاهة الحكم السعودي، وكأنها قاعة محكمة يُقوَّم فيها الحكم أمام الجمهور، وتُطرح مقارنات توحي بأن العدالة يمكن استيرادها، وأن الكفاءة ترتبط بجنسية لا بمهنية.
ما طُرح على لسان الإعلامي محمد الشيخ لم يكن مجرد رأي فني عابر، بل حديث حمل في مضمونه تفضيل الحكم الأجنبي والتقليل من قيمة الحكم السعودي، وكأن ارتفاع تكلفة الاستقدام دليل على ارتفاع مستوى النزاهة.
وهنا يبرز السؤال الواضح:
هل المال يثمّن العدالة؟
وهل قيمة العقد تعني قيمة الضمير؟
المفرح في الوقت نفسه أن المحلل التحكيمي المصري المتمكن، الأستاذ سمير عثمان، دافع عن الحكم السعودي أمام المشاهدين، مؤكداً نزاهته وكفاءته، وأن استقدام الحكم الأجنبي قرار تنظيمي يخص النادي فقط، ولا ينتقص من قيمة الحكم السعودي أو نزاهته في إدارة المباريات. هذا الدفاع أضاف المصداقية، وأكد أن الخبراء الدوليين يعترفون بكفاءة الحكم السعودي، وأن ما يُبث على الهواء لا يجب أن يُضعف الثقة الوطنية.
لكن العتب الأكبر هنا يُوجَّه للإعلامي وليد الفراج، بصفته مقدّم البرنامج وصاحب المنبر. فحين يُطرح رأي يمس الثقة في الحكم السعودي بهذه الصورة، كان من المنتظر أن يكون هناك توازن أو توضيح أو دفاع مهني يحفظ مكانة الكفاءات الوطنية أمام المشاهدين. الصمت في مثل هذا الموضع لا يُحسب حيادًا بقدر ما يُفهم على أنه قبول ضمني بطرح يمس صورة الحكم السعودي وثقة الشارع الرياضي به.
الأستاذ محمد الشيخ، حين يُطرح الرأي على منبر جماهيري، لا يبقى رأيًا شخصيًا عابرًا، بل يتحول إلى رسالة مؤثرة. وإن كان لديه توجه داخلي بأن الأندية التي تستقدم حكامًا أجانب هي الأفضل أو الأعدل، فالأجدر أن يبقى ذلك في إطار تحليلي محدود، لا أن يُقدَّم بهذه الصيغة أمام جمهور واسع من الشباب، فتتأثر صورتهم عن الحكم السعودي بمجرد الطرح الإعلامي.
وكيف يُقال بلا نقاش أو جدل أن قيمة الحكم الأجنبي أعلى من قيمة الحكم السعودي؟ ومن يحق له أن يقيم كفاءات وطنه؟ أي وطنية تلك التي تسمح برفع شأن الأجنبي وخفض شأن السعودي لمجرد ميول أو انحياز؟ وأي ضغط يُزعم أن الحكم السعودي تحت تأثيره، وكأن نزاهته قابلة للتغير بحسب الظروف؟
القاضي، مهما كانت صلته بالمتهم، يحكم بعدالة دون أي انحياز، لأننا تربّينا على الأمانة والعدل تحت دين واحد لا تهزه القرابة أو المحاباة. نحن نقاضي المجرم مهما كان قريبًا، فكيف يُنسب ميل أو ضعف شخصي للحكم السعودي، وهو الذي نشأ على قيم الانضباط والوفاء والأمانة؟
أن تُرفع كفاءة الأجنبي بلا جدال، وتُنقص كفاءة ابن الوطن بلا دليل، هو إساءة للأمانة والإخلاص الذي يميز أبناء المملكة، ونسب غير مستحقة للكفاءات الأجنبية. وكأنه يقول، بلا مواربة، إن لا أحد يناقشه، ولا أحد يجادل رأيه في كفاءة الحكم الأجنبي، أي أنه يرفض أي نقاش حول موقفه المسبق بأنه يرى الحكم الأجنبي أفضل من الحكم السعودي.
الحكم السعودي ليس هاويًا، ولا طارئًا على المهنة، بل هو نتاج بيئة تربوية ومجتمعية غرست فيه قيم العدالة والانضباط وتحمل المسؤولية. مهنته تشبه في جوهرها القضاء؛ قرار تحت ضغط، وعدالة بين أطراف، وأمانة لا تحتمل الهوى.
فالتشكيك في الحكم السعودي لا يقف عند حدود الرياضة فقط، بل يشبه التشكيك في الطبيب السعودي أو المهندس أو القاضي؛ فجميعهم أبناء وطن واحد، وتستند أدوارهم إلى الثقة بكفاءة المواطن ومسؤوليته. وحين تُهز هذه الثقة بالتعميم دون دليل، فإن الضرر لا يصيب مهنة بعينها، بل يمس صورة الكفاءة الوطنية بأكملها.
وهذا الطرح لا ينسجم مع التوجه الوطني الذي يعزّز الثقة بالمواطن السعودي، ويؤكد قدرته على التميز في مختلف المجالات. رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان — حفظه الله — قامت على مبدأ راسخ:
المواطن السعودي هو أساس التنمية وعماد المستقبل،
وهي رؤية تؤكد على النزاهة، وتحارب الفساد، وترسّخ قيمة الكفاءة الوطنية.
ونحن في بيوتنا نُربي أبناءنا على الثقة بالمواطن السعودي في كل مجال، ونُردد دائمًا مقولة سمو ولي العهد الملهمة:
“المواطن السعودي يشبه جبل طويق”
ثبات، قوة، ورسوخ لا يتزعزع.
لأنه ابن دولة تقوم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، دولة نجحت في إدارة أعظم حشد بشري دوري في العالم — الحج — حيث تجتمع ملايين البشر من مختلف الأعراق واللغات في وقت واحد ونظام واحد وأمن واحد. فالدولة التي تدير هذا المشهد الإيماني والإنساني الهائل باحتراف، قادرة — بلا شك — على إعداد كوادر تدير مباراة كرة قدم بعدالة ونزاهة. هذه ليست مبالغة عاطفية، بل حقيقة عملية نغرسها في أبنائنا ليكبروا وهم يؤمنون بكفاءة ابن وطنهم.
نعم، الأخطاء واردة، كما هي واردة في كل دوريات العالم وكل أجهزة التحكيم الدولية، لكن الخطأ الفردي لا يتحول إلى حكم عام، ولا يُستخدم ذريعة للتقليل من قيمة منظومة كاملة، ولا يُطرح عبر شاشة يتابعها ملايين الشباب الذين تتشكل قناعاتهم من هذه الرسائل الإعلامية.
رؤية سمو ولي العهد قامت على مبدأ راسخ: المواطن السعودي هو أساس التنمية وعماد المستقبل. هذه الرؤية أعادت بناء الثقة في الإنسان السعودي، وأثبتت قدرته على التميز في مختلف المجالات، ومنها الرياضة والتحكيم والإدارة الرياضية.
فكيف يُقبل، في ظل هذا التوجه الوطني، أن يُبث خطاب يُفهم منه أن ابن الوطن أقل كفاءة، وأن الأجنبي هو الضامن الوحيد للنزاهة؟
البرامج الإعلامية ذات الحضور الجماهيري ليست جلسات خاصة، وما يُقال فيها لا يبقى داخل الاستوديو، بل يصل إلى البيوت، ويؤثر في وعي النشء، ويغرس مفاهيم قد تمس الثقة بالذات الوطنية. حين يُطرح الرأي الشخصي دون توازن، فإنه يتحول من تحليل إلى رسالة تشكيك.
نحن اليوم لا نطوّر دوريًا محليًا فقط، بل نستعد لاستضافة كأس العالم، الحدث الذي ستتجه إليه أنظار العالم أجمع. المملكة تعمل على تقديم نموذج احترافي متكامل في التنظيم والإدارة والبنية التحتية… ومن ضمن ذلك تطوير الكوادر التحكيمية الوطنية.
وخلال هذا الحدث العالمي، ستقام مباريات بين منتخبات وفرق من مختلف دول العالم على أرض المملكة، وستُدار — دون شك — بعض هذه المباريات بطواقم تحكيم سعودية. فهل من المنطقي أن نشكك في نزاهة الحكم السعودي محليًا، ثم نقدّمه للعالم ليقود مباريات دولية على أعلى مستوى؟
الثقة التي نمنحها لأنفسنا في الداخل هي نفسها التي يراها العالم فينا من الخارج.
استقدام حكم أجنبي قرار تنظيمي قد تتخذه بعض الأندية، وهو حق مكفول وفق الأنظمة، لكنه لا يعني — بأي حال — أن الحكم السعودي أقل نزاهة أو قيمة. هذا تعميم مجحف، ولا ينبغي تقديمه بهذه الصيغة عبر منبر إعلامي مؤثر.
الثقة مسؤولية مشتركة. ودعم الكفاءات الوطنية واجب وطني. والنقد الفني مرحب به حين يكون موضوعيًا ومتوازنًا، أما التشكيك في الذمم بصيغة التفضيل المطلق، فليس تطويرًا للمشهد الرياضي، بل إضعاف للثقة فيه.
الحكم السعودي ليس معصومًا من الخطأ، لكنه أيضًا ليس متهمًا حتى يثبت العكس. هو ابن هذا الوطن، يحمل أمانته، ويستحق الدعم والتطوير والإنصاف… لا التشكيك العلني الذي يمس سمعته وسمعة منظومته.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية




.jpg)
.jpg)

.jpg)





.jpg)
.jpg)


.jpg)











.jpg)

.jpg)




