صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 يوم 0 38 0
جرائم بلا سلاح .
جرائم بلا سلاح .

 

الكاتبة مريم سليمان الجهني .


 

هناك دائمًا دفترٌ خفيّ في أركان القلب، لا نريد أن نقلب صفحاته، ولا أن نتهجّى حروفه؛ لأننا نعلم أن بعض الكلمات إذا استيقظت، لعثمت نغماتنا في سيمفونية الحياة، وأعثرت خُطانا ونحن نحاول المضيّ إلى الأمام.

 

هناك أشياءٌ إخفاؤها أرحم من ظهورها للحياة، وهناك الكثير من الأشلاء التي مزّقتنا، ولا نريد جمعها لتحيا من جديد، فنموت نحن كلما عادت إلى الحياة. نحن لا نريد إسعافها في ذاكرتنا، بل نريد أن نتقن نسيانها، وأن نتدرّب على زهايمرٍ اختياريّ تجاه كل ما لا يستحق أن يُستعاد.

 

هناك أشياءٌ تُذكّرني بقصة قتل الغلام في سورة الكهف، حين كان في قتله رحمةٌ لأبويه، كما ورد في تأويل الخضر عليه السلام؛ فأحيانًا يكون بقاء بعض الأشياء في حياتنا أشدّ قسوةً من غيابها، وتكون نهايتها أرحم من استمرارها.

 

فبالفعل، هناك جرائم قتلٍ لا تُرتكب بالسلاح، بل تُرتكب في داخلنا؛ قتلُ الماضي، وقتلُ الذكريات، ووأدُ الحكايات التي لم نعد نحتمل سردها من جديد. نحاول أن ندفنها في أعمق أركان القلب، لا لأننا نسيناها، بل لأننا نريد أن نعيش دون أن نُستنزف كلما مرّ طيفٌ منها في ذاكرتنا.

 

أحيانًا تصادف صديقًا يُعيد إليك أشياءً كنت تظن أنك تجاوزتها، ويوقظ فيك حكاياتٍ لم تكن ترغب في العودة إليها مرةً أخرى. وأحيانًا يولّد موقفٌ عابر موقفًا سابقًا، كان قد اختفى في أحد أركان القلب، حتى حسبت أنه مات إلى الأبد.

 

وأحيانًا يكفي مشهدٌ في مسلسلٍ عابر لينبش قبورًا دفنّاها منذ زمن؛ قبورًا لم ندفن فيها الذكريات وحدها، بل دفنّا معها نسخًا قديمةً من أرواحنا، وأحلامًا لم تكتمل، ومشاعرَ استنزفتنا حتى لم نعد نملك القدرة على استعادتها.

 

إنها مقبرةٌ لا يسكنها الشهداء، بل مجرمو حربٍ خضناها يومًا، وكنا فيها جنودًا بواسل، مخلصين في معاركنا، نظن أن الإخلاص وحده يكفي لننتصر، وأن نقاء نوايانا سيحمينا من الخسارة. لم نكن نعلم أن بعض الحروب لا تُخاض لتُكسب، وأن بعض المعارك لا تترك خلفها إلا أرواحًا مرهقةً، تحاول أن تتعلّم كيف تعيش بعد انتهائها.

 

كنا نظن أن الحياة لا تعرف الحرب، وأنها لا تتجاوز كونها مسرحيةً واضحة المشاهد، نقف فيها أمام الجماهير، نرى وجوههم، ونسمع تصفيقهم، ونعتقد أن كل ما يحدث أمامنا هو الحقيقة كاملة. لم نكن نعلم أن هناك كواليسَ تُدار فيها حكاياتٌ أخرى، وأن بعض الوجوه التي نراها على خشبة المسرح لا تشبه الوجوه التي تختبئ خلف الستار.

 

لم نكن سُذّجًا لأننا صدّقنا، بل كنا صادقين إلى الحد الذي جعلنا نظن أن الآخرين يشبهوننا.

 

ولأن الحياة لا تنتظر المتعبين حتى يفرغوا من ترميم جراحهم، علينا أن نمضي، ولو بقلوبٍ تحمل ندوبها، نحو مدنٍ لا نعرفها، لكننا نرجو أن يكون السلام عنوانها، وأن تكون الحرية فيها حقًّا، لا هدنةً مؤقتةً بين حربين.

 

فثمة أشياءٌ لو بقيت حيّةً فينا، لأماتت فينا أشياءَ أجمل؛ ولهذا نتعلّم أن نترك بعض الحكايات نائمةً، وبعض الأبواب مغلقةً، وبعض الحروب منتهيةً، حتى وإن ظلّت آثارها محفورةً في أرواحنا.

 

فليس كل ما دفنّاه يستحق أن ننبش قبره، وليس كل ما غاب عنا يستحق أن نعيده إلى الحياة. بعض النهايات رحمة، وبعض المسافات نجاة، وبعض النسيان ليس خيانةً للماضي، بل وفاءٌ لما تبقّى فينا من قدرةٍ على الحياة.

 

نحن لا نمضي لأننا شُفينا تمامًا، ولا لأن الذاكرة أصبحت خاليةً من الوجع، بل لأننا أدركنا أخيرًا أن الحياة أوسع من حكايةٍ آلمتنا، وأن أرواحنا تستحق أن تعيش خارج حدود تلك المعارك التي استنزفتها طويلًا.

 

سنمضي، ونترك خلفنا ما لا نريد استعادته، لا كراهيةً لكل ما مضى، بل رحمةً بأنفسنا التي دفعت من عمرها ما يكفي. سنترك الدفتر مغلقًا، والمقبرة هادئةً، والحكايات في أماكنها؛ فليس من الضروري أن نقرأ كل صفحةٍ كي نعترف بأنها كانت جزءًا من قصتنا، وليس من الضروري أن نُحيي كل ذكرى كي نثبت أننا لم ننكر وجودها.

 

فبعض الحكايات يكفي أنها حدثت، وبعض الوجوه يكفي أنها مرّت، وبعض الحروب يكفي أننا خرجنا منها أحياءً، وإن تركت فينا ما لا تراه العيون.

 

ولعلّ أعظم انتصاراتنا ليست في أن ننتقم ممن آذانا، ولا في أن نعيد كتابة الماضي كما تمنّينا، بل في أن نصل إلى يومٍ نتذكّر فيه دون أن ننكسر، ونعبر فيه دون أن نلتفت، ونعيش فيه دون أن نسمح لما مات فينا أن يقتل ما تبقّى من أرواحنا.

 

فبعض الأشياء، يا قلب، لا نحتاج إلى إعادتها إلى الحياة؛ نحتاج فقط إلى أن نتعلّم كيف نعيش من دونها.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق