صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 7 ساعة و 3 دقيقة 0 21 0
رداءٌ على مقاس الآخرين .
رداءٌ على مقاس الآخرين . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

أحيانًا، لا يكون أكثر ما يؤذينا هو ضعفنا، بل عدم ثقتنا بأنفسنا؛ تلك اللحظة التي تجعلنا نتصرف بشكل لا يشبهنا، ولا نحترم حتى صوتنا الآخر في داخلنا، ذلك الصوت الذي يعرفنا أكثر مما يعرفنا الناس. نتجاهله، ونتجاوز كل ما يقوله لنا، ثم نقفز نحو محطة لا تشبهنا، ولا تمت إلينا بصلة، فقط لأننا نريد أن نسمع إطراءًا أو إعجابًا.

 

لا يهم من القائل، ولا ماذا يمثل لنا؛ المهم أن نسمع كلمة تُرمم شيئًا مهزوزًا في داخلنا، حتى لو كان قائلها عامل المحطة.

 

ونصبح كل الهواة؛ تارةً جنوبًا وتارةً شمالًا، نتجه حيث تتجه الريح، ونميل مع كل صوت، ونتحرك مع كل نظرة، حتى يصبح الإنسان أحيانًا مجرد مرآة للآخرين؛ يبحث عن رضاهم، وكأنهم المد والجزر له، وهم من يحددون اتجاهه، وهم من يبحرون به، بينما هو لا يعرف إلى أي شاطئ يريد الوصول.

 

يصبح شخصًا بلا مبدأ واضح، ولا قيم ثابتة، يتدحرج حسب ما يصنعه المجتمع، ويجري خلف آخر ما ظهر من موديلات، وما ابتكره المبدعون من براندات. يلبس لا لأنه يحب ما يرتدي، وإنما ليثير النظر، ويختار لا لأنه مقتنع، وإنما ليسمع إعجاب الآخرين. وكأنه لو لم ينطق أحد بكلمة، فقدت الأشياء قيمتها في عينيه.

 

وهو ذلك الذي يركض من أجل جمع المال ليشتري آخر ما وصلت إليه السيارات؛ لا ليقتنيها، بل ليفني ثقته المهزوزة خلف زجاجها، وكأن السيارة تستطيع أن تخفي ارتباكه، أو أن تمنحه شعورًا بالقيمة لم يستطع أن يمنحه لنفسه.

 

وهو من يتحدث عن الجوال الأخير، ويتابع كل جديد، لا لأنه يحتاجه، وإنما لأنه يخشى أن يبدو أقل من غيره.

 

وهو من يجمع جهده وتعبه، لا ليعيش، بل ليعايش مجتمعًا آخر لا يشبهه، ولا يشبه طموحه، ولا يشبه الحياة التي كان يمكن أن يعيشها لو أنه امتلك الشجاعة ليسأل نفسه: ماذا أريد أنا؟

 

نحن أحيانًا ضحايا لمجتمع لا يقول لنا صراحةً: «ليس لديكم مال»، لكنه يجعلنا نشعر أن علينا أن نثبت أن لدينا المال، وأن نعيش كما يعيش الآخرون، وأن نُظهر حياة لا تقل عن حياتهم، حتى لو كان الثمن فوق قدرتنا.

 

فتسعى الأم لجمع المال من كل مكان من أجل زواج يشبه فرح بيت فلان، أو يفوقه أحيانًا. نأخذ قروضًا فوق قدرتنا، ولا تتناسب مع دخلنا، لا لأننا نحتاج إليها، بل لأننا نريد أن نقيم حياة تشبه حياة غيرنا.

 

نسافر مثل بيت خالتها، ونبحث في كل مكان عن الأفضل ثم الأفضل، لا لنحيا حياة سعيدة، بل ليشعر الآخر أننا سعداء.

 

وهنا المفارقة المؤلمة؛ أننا أحيانًا لا نعيش السعادة، بل نستهلك أنفسنا في إثبات أننا نعيشها.

 

نجرب، ونكرر، ونُجبر أنفسنا وأبناءنا على أن نكون صورة من مجتمع كامل، حتى كادت الزواجات نفسها تتشابه، والمناسبات نفسها تتكرر، وحتى الدول التي يسافر إليها الناس أصبحت واحدة تتبع أخرى حسب الموجة؛ سنة تركيا، وسنة تايلند، وسنة لندن، وحسب الموجة نذهب.

 

ولا نسأل أنفسنا: أين قناعتنا؟ وأين نحن وسط كل هذا؟ ومتى أصبح اختيارنا مجرد استجابة لما يختاره الآخرون؟

 

حتى أبناؤنا لم يسلموا من هذه العدوى.

 

يشكل المجتمع تخصصاتهم ومستقبلهم قبل أن يعرفوا هم ماذا يريدون. كيف؟ أسرة فلان لديها مهندس، أو دكتور، ونحن لا؟ فتبدأ المقارنة، ويبدأ معها القلق، ويبدأ الأب في جمع المال والتصرف بدخله فوق طاقته من أجل إدخال ابنه جامعة أهلية، وفي التخصص نفسه الذي اختاره ابن فلان.

 

ولا أقصد أن أبناء الجامعات الخاصة ليسوا بجديرين، ولا أن الجامعة الحكومية أفضل من الخاصة؛ فلكل إنسان طريقه، ولكل جامعة فرصها. وإنما أتحدث عن فئة من الآباء تجبر أبناءها على طريق معين لأن المجتمع اعتبره نجاحًا، أو لأن ابن فلان سبقهم إليه.

 

وقد يكون الإبن شاطرًا فعلًا، لكنه يملك موهبة في مجال آخر، وقد يبدع في تخصص مختلف، وربما يكون طريقه في جامعة حكومية هو الطريق الذي يصنع منه إنسانًا ناجحًا وسعيدًا، لو مُنح فرصة أن يختار لنفسه بدل أن يُختار له.

 

وكأن نجاح الإبن لا يكتمل إلا إذا كان نسخة من نجاح ابن آخر.

 

وحتى في أكثر قرارات الحياة قسوة، قد يتدخل صوت المجتمع فينا دون أن نشعر.

 

قد تصل المرأة إلى قرار الطلاق وهي تعرف في داخلها أن استمرارها يؤذيها، أو أن هذه العلاقة لم تعد حياة تُعاش، ثم تتراجع لا لأنها وجدت السعادة، بل لأنها تخاف من الكلمة التي ستقال عنها: «مطلقة».

 

وقد تخاف الأم أكثر من ابنتها، ليس خوفًا على ابنتها وحدها، بل خوفًا من أن تسمع من الناس: «ابنتها تطلقت».

 

فتتحول حياة ابنتها إلى قضية اجتماعية، ويصبح استمرارها في زواج لا يشبهها أهون عند البعض من أن تحمل صفة «مطلقة» أمام الناس.

 

وكأن الفشل الحقيقي ليس أن نعيش في علاقة تؤذينا، وإنما أن يعرف الآخرون أننا خرجنا منها.

 

وقد يبقى الإنسان في مكان يؤلمه، أو علاقة تستنزفه، أو قرار لم يعد يؤمن به، فقط حتى لا يمنح المجتمع فرصة ليصفه بالفشل.

 

وهنا يصبح الخوف من نظرة الآخرين أقوى من الخوف على حياتنا نفسها.

 

مع أن بعض الأبواب حين تُغلق لا تكون نهاية الإنسان، وبعض الإنسحابات ليست هزيمة، وبعض القرارات التي يصفها الناس بالفشل قد تكون في حقيقتها أول خطوة نحو النجاة.

 

لكننا أحيانًا لا نملك شجاعة أن نختار ما ينقذنا، لأننا منشغلون بما سيقوله الآخرون عن اختيارنا.

 

فنحن لا نعيش حياتنا فقط، بل نؤديها أمام جمهور لا نعرف متى بدأنا نخاف من نظرته، ولا متى أصبح رضاه أهم من راحتنا، ولا كيف تحول رأيه من مجرد رأي إلى بوصلة تحرك قراراتنا.

 

نشتري ما يشترونه، ونلبس ما يلبسونه، ونذهب حيث يذهبون، ونقيم أفراحنا كما أقاموا أفراحهم، ونختار لأبنائنا ما اختاره أبناؤهم، وربما نبقى في علاقات انتهت، فقط لأننا نخشى أن يعرف الناس أننا لم نستطع الاستمرار.

 

نقيس نجاحنا بنجاحهم، ونقيس سعادتنا بمدى اقتناع الآخرين بأننا سعداء.

 

ثم نعود إلى أنفسنا…

 

فنجد أننا أنفقنا جهدنا وتعبنا ومالنا، وأحيانًا أعمارنا، من أجل حياة لم نخترها، وأننا ربما قضينا سنوات طويلة في بناء صورة جميلة في عيون الآخرين، بينما أهملنا الإنسان الذي يسكن داخلنا.

 

نركض خلف الإعجاب، ونبحث عن كلمة تؤكد لنا أننا بخير، وأننا مثلهم، وأننا لم نتأخر عنهم، حتى لو كان الثمن قرضًا، أو تعبًا، أو ضغطًا، أو سنوات من العمل، أو حياة كاملة لا تشبهنا.

 

فإلى متى ونحن صورة الآخر؟

 

إلى متى نرتدي ما يعجبهم، ونقتني ما يثير إعجابهم، ونركض خلف ما يصفقون له، ونربي أبناءنا على ما يراه المجتمع نجاحًا، ونخاف من قراراتنا فقط لأن الآخرين قد لا يفهمونها؟

 

متى نتوقف عن البحث عن قيمتنا في عيون الآخرين، ونبدأ في رؤيتها بأعيننا نحن؟

 

فربما أكبر خسارة في الحياة ليست أن لا يعجب بنا أحد، وإنما أن نقضي أعمارنا نحاول أن نكون النسخة التي يعجب بها الجميع، ثم نكتشف متأخرين أننا أصبحنا غرباء عن أنفسنا.

 

وربما ليست المشكلة في السيارة، ولا في الجوال، ولا في السفر ، ولا في الزواج الكبير، ولا في الجامعة الخاصة، ولا حتى في قرار الطلاق؛ فكل هذه الأشياء قد تكون جميلة، أو ضرورية، أو صحيحة، حين تأتي من اختيار واعٍ وقناعة حقيقية.

 

المشكلة أن نعيشها لأن غيرنا يعيشها، أو نتركها لأن غيرنا لن يتقبلها.

 

أن نشتري لأنهم اشتروا، ونسافر لأنهم سافروا، ونختار لأبنائنا لأن المجتمع اختار، ونبقى في أماكن تؤذينا خوفًا من أن يُقال عنا إننا فشلنا.

 

الحياة ليست أن نثبت للآخرين أننا نملك، ولا أن نثبت لهم أننا سعداء، ولا أن نثبت أننا أفضل من فلان أو أننا لم نكن أقل منه.

 

الحياة أن نعرف من نحن، وماذا نريد، وما الذي يناسبنا، وما الذي نستطيع أن نعيشه دون أن نخسر أنفسنا في سبيله.

 

أن نملك الشجاعة لنقول: هذا اختياري، وهذا ما يناسبني، وهذا ما يشبهني، حتى لو لم يصفق له أحد.

 

فليس كل ما يلمع يناسبنا، وليس كل ما يعجب الناس يسعدنا، وليس كل طريق سار فيه الآخرون يجب أن نسير فيه.

 

لأن الإنسان حين يفقد بوصلته، يصبح سهلًا أن يقوده أي أحد؛ كلمة، أو نظرة، أو موضة، أو مقارنة، أو إعجاب عابر.

 

وحين يستعيد نفسه، يعرف أن بعض المحطات لم تكن محطته أصلًا، وأن بعض الطرق كان عليه أن يتركها، وأن بعض التصفيق لا يستحق أن يدفع ثمنه من عمره.

 

فإلى متى نرتدي رداءً فُصّل على مقاس الآخرين، بينما نحن من يدفع ثمن ضيقه؟

 

وإلى متى نعيش حياة تجعل الآخرين يبتسمون لنا، بينما نحن لا نجد فيها ما يجعلنا نبتسم لأنفسنا.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق