الكاتبة: هويدا الشوا
كثيرًا ما ينشغل الإنسان بانتظار العطاء، ويتطلع إلى لحظة الفرج واتساع الرزق وتحقيق الأمنيات، حتى يظن أحيانًا أن الغاية الكبرى تكمن في الحصول على ما يريد. غير أن التأمل في سنن الحياة يكشف حقيقة أعمق؛ فالله سبحانه لا يمنح عباده العطاء فحسب، بل يهيئهم له أيضًا. وكثيرًا ما تكون مرحلة التهيئة أهم من العطاء نفسه، لأنها تصنع الإنسان القادر على فهم النعمة وحسن التعامل معها وحفظها.
في بدايات الطريق، قد يبذل المرء من الجهد ما يراه كافيًا لتحقيق أهدافه، ثم يفاجأ بأن النتائج لا تأتي بالسرعة التي توقعها. يطول الإنتظار، وتتكرر المحاولات، ويضيق الرزق رغم السعي المتواصل. وفي ظاهر الأمر يبدو ذلك حرمانًا أو تأخيرًا، لكنه في جوهره درس عظيم في التوحيد؛ إذ يتعلم الإنسان أن الأسباب مهما عظمت لا تملك بذاتها أثرًا مستقلًا، وأن الأمر كله لله. عندها ينتقل من الإعتماد على قدراته المحدودة إلى الثقة بمن بيده خزائن السموات والأرض.
ثم تأتي مرحلة أخرى أكثر عمقًا، حين تتكشف للإنسان حدود قوة المخلوقين. فالأشخاص الذين ظن أنهم يملكون مفاتيح مستقبله، والجهات التي اعتقد أن مصيره معلق بها، يتبين له أنهم جميعًا أسباب تجري عليها أحكام الله وقدره. وهنا يتحرر القلب من التعلق المفرط بالبشر، فلا يعود يرى في أحد مصدرًا للعطاء أو المنع، بل يرى الجميع وسائل يسخرها الله كيف يشاء ومتى يشاء. وهذا التحرر لا يقطع صلته بالناس، وإنما يعيد ترتيب مواضع الثقة في قلبه، لتكون بالله أولًا وآخرًا.
أما الدرس الأعمق، فهو الرضا. فالإنسان بطبعه يقارن بين نصيبه ونصيب الآخرين، وقد يثقل عليه أن يرى غيره ينال من النعم ما لم ينله هو، وربما ظن أن جهده أو استحقاقه كان أولى بذلك. لكن الحكمة الإلهية تعلمه أن الأرزاق ليست مكافآت حسابية توزع وفق المقاييس البشرية الضيقة، وإنما هي أقدار تجري بعلم الله وحكمته ورحمته. ومن هنا يبدأ القلب في التخلص من الإعتراض الخفي، ويتعلم أن يفرح بما قسم الله له، وأن يسعى دون حسد، ويطمح دون سخط، ويأمل دون أن يفقد رضاه.
وعندما تستقر هذه المعاني في النفس، يصبح العطاء مختلفًا. فليس المهم أن تكثر النعم في اليد، بل أن يتسع لها القلب. وكم من إنسان أوتي مالًا ولم يؤتَ راحة، وأُعطي أسباب النجاح ولم يُرزق الطمأنينة. بينما البركة الحقيقية تكمن في أن يسبق العطاءَ قلبٌ ممتلئ باليقين، ونفسٌ متصالحة مع أقدار الله، وروحٌ تدرك أن ما عند الله لا يُنال بالقلق، وإنما بالسعي الصادق والثقة العميقة والرضا الجميل.
لعل السؤال الأهم ليس: متى يأتي العطاء؟ بل: ماذا يريد الله أن يعلّمنا قبل أن يأتي؟ فحين يكتمل الدرس، ويستقر اليقين، ويتهذب القلب، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لاستقبال النعمة، وأكثر قدرة على شكرها، وأجدر بحمل مسؤوليتها. وحينها يدرك أن أعظم ما منحه الله خلال رحلة الإنتظار لم يكن الرزق ذاته، بل الإنسان الجديد الذي أصبح عليه وهو ينتظر ذلك الرزق
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)


.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)
.jpg)

















.jpg)




