صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 ساعة 0 4 0
مابين الفطرة وتشويه التربية .
مابين الفطرة وتشويه التربية . إستمع للمحتوى

 

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

 

تذكّرت نقاشًا قديمًا دار بيني وبين صديقة حول فكرةٍ كانت تؤمن بها بشدّة؛ أن أصحاب النقاء لا يصلحون لبيئات العمل، وأنهم غالبًا سيتعثرون بمن يلوون الطرق حسب مصالحهم، ويتلونون مع كل موقف كما يتبدل اللون على الوحه.

يومها كنت أجادل بثقة، وأظن أنني أملك الحقيقة كاملة، لكن الإنسان مع الوقت يدرك أن الحياة أوسع من يقينه الأول، وأن ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

 

ومع مرور السنوات، وكثرة ما نخوضه من تجارب نتعثر فيها ثم ننهض وننفض غبار الخيبة عن أرواحنا، أدركت أن أصحاب النقاء لا تؤلمهم الحياة بقدر ما يؤلمهم اكتشاف البشر.

فهم لا يتخيلون أن يجلسوا يومًا أمام أناس تنطبق عليهم الآية:

﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾

ترى الكلمات مرتبة، والوعود براقة، والوجوه مطمئنة، بينما الحقيقة في مكانٍ آخر تمامًا.

 

في البداية نحاول أن نجد لهم الأعذار، ونقنع أنفسنا أن الأمر مجرد اختلاف طباع أو سوء فهم، لكن مع تكرار المواقف يصل الإنسان إلى مرحلة “إفلاس الأعذار”، حين تصبح التبريرات أضعف من أن تستر الحقيقة.

فتدرك أن بعض الناس ليسوا سيئين فقط، بل غير أسوياء من الداخل، وأن أفكارهم المشوشة تدفعهم لصناعة روايات يصدقونها هم أولًا، فقط ليقنعوا أنفسهم أنهم على حق، أو ليهربوا من مواجهة حقيقتهم.

 

فتجد من أفسده الحقد حتى أظلم قلبه، ومن أتعبه الشعور بالنقص فصار يؤذي غيره ليشعر أنه أعلى، ومن ينسى أن الأرزاق ليست بيد البشر أصلًا، بل بيد الله وحده:

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾

ومع ذلك، يقاتل البعض على أرزاق غيرهم وكأن خزائن الأرض أُوكلت إليهم، فإن ظلموا لبسوا ثوب المظلوم، وإن أخطؤوا أقنعوا أنفسهم أنهم الضحية، بينما الحقيقة أن ضمائرهم تحاول النجاة وسط هذا التشوش الداخلي الذي يعيشونه.

 

ومع كل تجربة، أيقنت أن بعض أصحاب القلوب النقية لا ينسجمون بسهولة مع “غابة الحياة”، سواء في العمل أو العلاقات أو حتى وسط المجتمع.

ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم تربّوا على الوضوح، بينما الحياة أحيانًا مليئة بالوجوه المؤقتة والمشاعر المؤجلة والنوايا التي لا تُقال.

هناك من يستطيع أن يغيّر ملامحه كلما احتاج، ومن يتقن الأقنعة لينجو، وهناك من يبقى كما هو، بعفويته القديمة، فيتعب أكثر لأنه يتعامل بقلبه الحقيقي.

 

وليت للحياة فصولًا تسبقها،

فصلًا يعلّمنا أن ليس كل ابتسامة صادقة،

وفصلًا نفهم فيه أن البشر ليسوا نوعًا واحدًا ؛ فكما تختلف أمراض الأجساد، تختلف أمراض النفوس أيضًا.

ففي مجتمعنا يوجد المريض الذي نرجو له الشفاء، ويوجد أيضًا من يحمل أمراضًا مزمنة في روحه، أمراضًا لا شفاء لها إلا بأجلهم أو بلقاء ربهم.

فهناك من ابتُلي بالحسد، ومن أفسده الحقد، ومن اعتاد الكذب حتى فقد القدرة على رؤية الحقيقة، ومن أقنع نفسه طويلًا بافكاره الملوثة حتى أصبح يعيش داخل وهمٍ صنعه بيده.

 

فالله حين وصف قسوة بعض القلوب لم يشبهها بشيءٍ هين، بل قال:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾

حتى الحجارة قد تتشقق، وقد يخرج منها الماء، وقد تلينها السيول، أما بعض القلوب فلا يصلها شعور، ولا يوقظها وجع، وكأن الرحمة لم تمر بها يومًا.

 

كنا صغارًا نظن أن أسوأ أشكال الأذى أن يأخذ طفل لعبة صديقه، ثم كبرنا لنكتشف أن هناك من يسلب الطمأنينة، ويكسر الخواطر، ويؤذي الأرواح بدمٍ بارد، ثم ينام مطمئنًا وكأن شيئًا لم يكن.

 

وربما لهذا السبب يحاول البعض أن يبدو قاسيًا، لا ظلمًا ولا تجبرًا، بل حمايةً لنفسه من عالم يظن الطِيبة ضعفًا.

فيُخفي هشاشته خلف ملامح صلبة، ويحاول أن يقنع الآخرين بأنه ليس سهل الكسر، بينما في داخله قلبٌ متعب لا يزال يؤمن بالنقاء رغم كل شيء.

 

ومع ذلك، يبقى اليقين الحقيقي أن الله لا يخذل أصحاب النوايا البيضاء، وأن الخير وإن تأخر لا يضيع، وأن الإنسان مهما رأى من قسوة البشر يكفيه أن الله يعلم خفايا قلبه.

وربما بعض من نصادفهم في طريقنا لم يكونوا صدفة، بل ابتلاءات يختبر الله بها سرائرنا، وثبات مبادئنا، ونقاءنا غير المستبدل حسب الحاجة أو المصلحة.

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾

 

ثم إن هذه الدنيا — مهما ازدحمت بالبشر والأحداث — تبقى دنيا دانية، متاعًا زائلًا لا يستحق أن نُثقل به أرواحنا:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

 

ولذلك لا بد أن نُعلّم أبناءنا أن الحياة ليست كما تربّينا عليها دائمًا، وأن الفطرة قد تُشوَّه مع التجربة، وأن الناس ليسوا جميعًا سواء، وأن الطِيبة لا تعني الغفلة، وأن النقاء لا يعني أن نكون بلا وعي.

 

فمن الناس من يحمل قلبًا رحيمًا، ومنهم من أُصيب في داخله بما لا يُرى، ومنهم من يعيش بأمراضٍ في نفسه لا يعلم شفاءها إلا الله، كما قال سبحانه:

﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾

 

علينا أن نربيهم على التوازن: أن يبقوا أنقياء دون أن يكونوا ساذجين، أقوياء دون أن يكونوا قساة، وواعين دون أن يفقدوا إنسانيتهم.

 

 

• نقطة من القلب:

لا تحاول أن تتحول إلى شخصٍ قاسٍ فقط لأن الحياة صادفتك بأشخاصٍ لا يشبهون نقاءك، فليست النجاة دائمًا في أن نفقد أنفسنا.

بعض البشر يمرون في حياتنا ليعلّمونا الحذر، لا الكراهية، وليزيدونا وعيًا، لا ظلمة.

فحافظ على قلبك ما استطعت، لأن أنقى ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا روحٌ لم تتلوث رغم كل ما رأته.

 

وفي النهاية، سيبقى الإنسان الحقيقي معروفًا بأثره، لا بضجيجه، وبصفاء قلبه، لا بكثرة الأقنعة التي يرتديها.

أما القلوب الصادقة، وإن أتعبتها الدنيا يومًا، فتكفيها الطمأنينة التي يزرعها الله فيها، ويكفيها وعده الجميل:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم) .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق