صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 3 ساعة و 2 دقيقة 0 7 0
حين لا يسكننا الماضي .
حين لا يسكننا الماضي . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني . 


 

 

هي ليست ذكريات…

بل أشياء انتهت، ولم تنتهِ داخلنا.

 

مرّت بنا كأنها قدر،

ثم خفَتت، ثم سقطت من أيدينا،

فسمّيناها اختصارًا: “الماضي”.

 

لكن الحقيقة؟

أن الماضي لا يمضي…

هو فقط يغيّر مكانه فينا.

 

تأتي أحيانًا ليلًا…

تتسلل بهدوء،

وأحيانًا توقظنا فجرًا فزعًا،

كأنها لا تكتفي بالمرور… بل تُجيد الإقتحام.

 

تُربك أفكارنا،

ثم تهدأ… وكأن شيئًا لم يكن.

 

لكن الأثر؟

يبقى.

 

منّا من يمدّ يده لها كل ليلة،

يرجو عودتها…

كأن الألم إن تكرّر صار أهون.

 

ومنّا من لو عادت،

لقتلها قبل أن تبدأ،

بلا رحمة ولا تردد…

حتى لا نُجبر على دفنها مرتين،

ولا تتحول إلى شيءٍ لا يُقتل…

شيء يُسمّى: ذكرى.

 

هي ليست ذكرى عابرة…

بل ظلالٌ سوداء تتحلّل في الذاكرة،

تتشكل كصورٍ مؤلمة،

تزورنا ليلًا لتُخيفنا،

كأنها شبحٌ يحفظ ملامح ضعفنا.

 

نصحو بعدها مرتجفين…

لا من الماضي،

بل من خوفٍ يشبه الغد.

 

نتمنى — ولو لمرّة —

أن نكون كآلة،

نُفلتر ما نشاء،

ونمحو ما لا نحتمله.

 

لكن ما نحاول نسيانه…

ليس حدثًا عابرًا،

بل نحن حين صدّقناه ووثقنا به،

ووضعنا قلوبنا بلا حذر.

 

نخرج منه ظانّين النجاة…

لكن الحقيقة؟

أن ما انتهى هناك…

ما زال يبدأ هنا،

كل ليلة.

 

هو ذلك الألم المتشكل بجميع الصور،

يتغلغل في لحظات الفرح،

ويطمسها بريشةٍ ظننا حبرها قوس قزح،

فإذا به يميل إلى سوادٍ كسواد قلوبهم.

 

هو الماضي في برواز الحاضر،

يشع في النهار فرحًا،

ويسكننا بثوب الحِداد ليلًا.

 

هل الماضي هو المجرم الحر الطليق الذي لم يُحكم عليه؟

أم أبويه هم من جعلوه ابننا بتبنّيٍ قسري، ثم تبرأوا منه، ففُرض علينا كابنٍ عاقٍ يعيش داخلنا؟

 

ليت في الأقدار ما يُستأنف…

لعل القاضي حكم بيننا بعدلٍ،

فردّ لهم ابنهم العاق.

 

هي أيامٌ تجري،

تُحسب معها أعمارنا،

وتسلب السعادة منا في رضى وغباء،

لا يُعاقب عليه غيرنا.

 

نحن من سلّم السلاح ضدنا بأيدينا،

ورضي أن يعيش أسير الذاكرة المنخورة.

 

لا بد أن نبدل أفكارنا،

ونسعى إلى رسم حدود وطنٍ بلا ملاجئ،

وطنٍ يرفرف عليه في القمة علم السلام.

 

نبدل القوانين،

ونحدد من يبقى،

ونترك ما لا يلزم لنا.

 

لكن ماذا لو تغيّرنا؟

ماذا لو رسمنا داخلنا وطنًا بلا فوضى،

بلا أبوابٍ تُترك مشرّعة لكل عابر؟

 

وطنًا نعرف فيه من يبقى…

ومن لا يحق له العودة.

 

نستطيع أن نفعل ذلك،

ليس بالقسوة على أنفسنا،

بل بالوعي والثقة.

 

أن نُدرك أن الماضي ليس قدرًا أبديًا،

بل صفحة انتهت،

ولو تأخرنا في إغلاقها.

 

وأن الله خلقنا على السكينة،

على قلبٍ يعرف كيف يهدأ،

لا كيف يبقى أسير ما مضى.

 

نستطيع أن نعيش أفضل…

حين نوقن أن الله لم يخلقنا لنُهزم من الداخل،

ولا لنُسجن في ذاكرةٍ لا ترحمنا.

 

وما مضى…

لم يكن إلا محطةً،

لا وطنًا نعيش فيه للأبد.

 

نُغلقه برفق،

لا كرهًا له،

بل رحمةً بأنفسنا.

 

ونمضي بثقةٍ أهدأ،

نُسلّم ما يؤلمنا لله،

ونوقن أن ما كُتب لنا خير،

وأن ما انتهى…

كان يجب أن ينتهي.

 

فنستيقظ أخفّ،

لا لأننا نسينا،

بل لأننا اخترنا ألا نُعيد حمل ما أنهكنا.

 

ونبدأ من جديد…

كأننا لم نُكسر يومًا .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق