الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
تغزّل الزمنُ بالدنيا، ورآها كما لو أنها أجمل امرأةٍ في الوجود. رآها بعين العاشق، مأخوذًا بجمالها، وبعينيها، وبضحكتها، وبشعرها الذي تخيّله حكايةً لا تنتهي.
وكأن صوت عبد الحليم يصفها في تلك اللحظة: امرأةٌ يأسر جمالها القلب، وتبدو ضحكتها كأنها أنغام، وشعرها كأنه حكايةٌ غجرية تسافر في كل الدنيا.
فتعلّق بها الزمن، وتزوّجها.
وكان زواجهما في الشتاء.
رآها يومها في أجمل صورها؛ السماء ملبدة بالغيوم، والمطر يهطل برفق، والحدائق ممتلئة بالزهور، تفوح منها رائحة اللافندر والسوسن، ورذاذ المطر ينساب على وجهها.
فقال الزمن: ما أجملها!
ولم يكن يعلم أن ما رآه لم يكن إلا فصلًا واحدًا منها.
أنجبت له الدنيا أول أبنائهما: الشتاء.
فأُعجب به الزمن، وقال: ما أجمله! ثم جاء الربيع، فازداد فرحه؛ أزهار، وألوان، ونسائم، وحياة جديدة.
فاطمأن الزمن، وظن أن أبناء الدنيا جميعهم سيأتون بهذا الجمال.
لكن الدنيا لا تعطي أبناءها على هيئة واحدة.
جاء الصيف.
حرارةٌ ولهيب، وشمسٌ لا ترحم.
نظر الزمن إلى ابنه الثالث، ثم إلى الدنيا، وقال متعجبًا:
كيف يخرج لي ابنٌ كهذا من أمٍ رأيتها بكل ذلك الجمال؟
ثم جاء الخريف.
وهنا لم تعد الصدمة في شكل ابنٍ جديد، بل في شيءٍ أشد قسوة.
بدأت أوراق الدنيا تتساقط.
وكان على كل ورقةٍ شيءٌ من حياتهم؛ ذكرى زواجهما، تاريخ ميلاد أبنائهما، ليلةٌ ضحكا فيها، يومٌ فرحا فيه، وحكايةٌ ظنا أنها لن تنتهي.
لكن الأوراق لم تعرف البقاء.
تطايرت مع الريح.
وبعضها ضاع، وبعضها مُحي، وبعضها لم يعد أحد يعرف حكايته.
وهنا فهم الزمن الحقيقة التي تأخر في فهمها:
أن الدنيا لا تثبت على حال.
⸻
وأنت أيها الإنسان…
لا تنظر إلى حياتك من نافذة يومٍ جميل، ثم تظن أن العمر كله سيكون كذلك.
لا تظن أن الدنيا، لأنها أعطتك ربيعًا اليوم، ستعطيك الربيع غدًا.
فالدنيا لا تنجب أبناءها جميعًا متشابهين.
قد تنجب لك يومًا يشبه الشتاء؛ هادئًا، باردًا، تغسله الأمطار.
وقد تنجب لك ربيعًا؛ يفتح قلبك كما تفتح الزهرة أوراقها.
ثم يأتي صيفٌ يختبر صبرك، وخريفٌ يأخذ منك أشياء كنت تظن أنها ملكك إلى الأبد.
فلا تطلب من الدنيا أن تكون ربيعًا دائمًا، لأنها لم تُخلق لذلك.
فإن أحببت الربيع، فاستمتع به حين يأتي.
وإن جاء الشتاء، فاحتضن هدوءه.
وإن جاء الصيف، فاصبر على حرارته.
وإن جاء الخريف، فلا تحزن على كل ورقةٍ سقطت؛ فبعض الأوراق لا تسقط لأنها بلا قيمة، بل لأنها أتمّت حكايتها.
وتذكّر…
أن الأشياء التي تكتبها الدنيا على أوراق أيامك قد لا تبقى.
قد تأتي ريحٌ فتأخذ تاريخًا، وذكرى، ووجهًا، وحكاية.
وقد تبحث عنها بعد سنوات، فلا تجد إلا أثرًا باهتًا في الذاكرة.
وهذه هي الدنيا.
امرأةٌ أحبها الزمن حين رآها في أجمل فصولها، ثم اكتشف بعد الزواج أنها ليست فصلًا واحدًا، بل أربعة فصول.
وهكذا أنت أيضًا…
لا تنتظر من الحياة أن تنجب لك كل أيامك ربيعًا.
فالحياة ليست جميلة لأنها ربيع دائم، وإنما لأنها، رغم الشتاء والصيف والخريف، تمنحك بين حينٍ وآخر ربيعًا يجعلك تفهم لماذا استحقّ الصبر كل ذلك.
ثم تأتي الحقيقة الأعمق…
أن اختلاف الفصول ليس عبثًا، واختلاف الأيام ليس ظلمًا، وتبدّل الأحوال أمرٌ محتوم.
فكما أن الشمس لا تبقى على حال، والسماء لا تبقى صافية، والشجرة لا تحتفظ بأوراقها إلى الأبد، كذلك الإنسان لا يبقى في حالٍ واحدة.
تتبدل الأيام، وتتغير الأحوال، ويُعطى الإنسان مرةً ويُمنع مرة، يفرح حينًا ويحزن حينًا، يلتقي بأشخاص ثم يفارقهم، ويفقد أشياء كان يظن أنه لا يستطيع العيش دونها.
وهنا يأتي التوكل على الله والرضا بقدره؛ أن نؤمن أن اختلاف الأحوال من سنن الحياة، وأن الدنيا دار اختبار، وليست دار بقاء.
نُختبر في الرخاء بالشكر، وفي الشدة بالصبر، وفي الفقد بالرضا، وفي الانتظار بحسن الظن بالله.
فإذا جاءك الربيع، فاشكر.
وإذا جاءك الشتاء، فاصبر.
وإذا جاءك الصيف، فتحمّل.
وإذا جاءك الخريف وسقطت من حياتك أوراقٌ كنت تحبها، فلا تظن أن سقوطها يعني أن قصتك انتهت؛ فربما كانت تلك الورقة قد أتمّت حكايتها.
واعلم أن الصبر ليس فراغًا من الألم، بل ثباتٌ رغم الألم، وأن وراء الصبر أجرًا لا يضيع.
فالدنيا دار عبور، تتبدل فيها الفصول، وتتساقط فيها الأوراق، وتتغير فيها الوجوه والحكايات.
أما المؤمن، فيمضي بينها بقلبٍ متوكل، يرضى بما كتب الله، ويصبر حين يُبتلى، ويشكر حين يُعطى، ويوقن أن لكل قدرٍ حكمة، ولكل صبرٍ أجرًا.
ولمّا طال بهما الزمن، لم يعد يسألها لماذا تغيّر وجهها، ولا لماذا أخذت الريح ما ظنّه باقياً.
كان ينظر إلى ما بقي من الحكاية، فيجد أن بعض الأشياء لم تُخلق لتبقى، وأن بعض ما ظنه فقدًا لم يكن إلا نهايةً لشيءٍ استنفد عمره.
وعند آخر الخريف، حين خفّت الريح، لم يجد الزمن الدنيا كما عرفها يوم تزوّجها؛ وجدها أقلّ أوراقًا، وأكثر معرفة.
كانت قد فقدت أشياء كثيرة، لكنه اكتشف أنها لم تفقد نفسها.
وحين نظر إلى سنواتهما معًا، لم يتذكر وجهها الأول وحده؛ تذكّر المرأة التي كانتها في كل مرة تغيّر فيها وجه السماء، وفي كل مرةٍ تبدّل فيها الطريق، وفي كل مرةٍ أخذت منها الحياة شيئًا وأبقت لها شيئًا آخر.
عندها فقط فهم أن المرأة التي أحبّها لم تكن تلك التي رآها في أول شتاء، وإنما كل النساء اللواتي صارت إليهنّ بعده.
فالدنيا لم تكن أربعة فصولٍ تتعاقب عليها…
كانت امرأةً واحدة، تتبدّل ملامحها، ويبقى اسمها.
وكان الزمن، بعد كل ما مضى، لا يزال زوجها.
يمضي بها، وتمضي به؛
لا يطلب منها أن تعود إلى صورتها الأولى،
ولا تَعِده هي بأن تبقى كما أحبّها أول مرة.
وهكذا تستمر الحكاية…
لا لأن الفصول توقفت،
بل لأن أحدًا منهما لم يعد ينتظر منها أن تكون .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية




.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)


.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)
.jpg)














.jpg)




