صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 5 ساعة و 4 دقيقة 0 14 0
ارتشفتُ قهوتي… فكانت تلك بدايتي .
ارتشفتُ قهوتي… فكانت تلك بدايتي . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - مريم الجهني


 

أغمضتُ عيني، وشعرتُ أنني وحدي… لم أعد أشعر بوجود من حولي. أبحرتُ في قارب الذكريات، فأخذني بعيدًا، يغوص بي في أعماق بحر أفكاري، وكأنني عدتُ إلى غرفتي، إلى عالمي الذي لا يشاركني فيه أحد.

 

غبتُ عن المكان، وعن الوقت، وعن كل ما حولي… ولم أشعر بنفسي إلا حين أيقظني صوت نادل المقهى وهو يسألني:

 

«ماذا تطلبين؟»

 

قلت له: «قهوة…»

 

ثم سكتُّ، وكأنني لم أكن أعرف ماذا أطلب من المقهى، بينما كنت أعرف تمامًا ماذا كنت أبحث عنه في داخلي.

 

وضعتُ يدي على الطاولة، ونظرتُ حولي… الوجوه نفسها، الأصوات نفسها، والناس من حولي يتحدثون ويضحكون، لكنني كنت أشعر أن بيني وبينهم مسافة لا تُرى.

 

ارتشفتُ قهوتي، وفي رأسي ألف قصة مرّت في حياتي، وألف حكاية كُتبت على ملامحي، وأنا أرتدي قناع الهدوء… قناعًا صنعته الأيام، حتى أصبح جزءًا من وجهي.

 

وفكرتُ: ربما حان الوقت أن أطوي الماضي، لا أن أكرهه… أن أعمل «فرمتة» لذاكرةٍ قديمة، وأبدأ ببرنامج جديد، لكن هذه المرة بوعيٍ أكبر.

 

فالتكنولوجيا تستطيع أن تغيّر ملامح الصورة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يُعيد تشكيلها… فلماذا لا أستفيد أنا أيضًا مما وصلت إليه الحياة؟ أغيّر ملامح أفكاري، وأجدد نظرتي، وأمنح نفسي فرصة أن أكون نسخةً جديدة مني، لا نسخةً أسيرة لما مضى.

 

لن أعود إلى الخلف.

 

سأجعل من خطواتي سباقًا نحو المستقبل، قبل أن أصل إلى أولئك الذين لا وجود لهم إلا في ذاكرتي… أولئك الذين أحببت طباعهم، وتعلّقت بصورٍ رسمتْها لهم الأيام في داخلي؛ أُناس يشبهون أبطال الحكايات، يقفون مع المظلوم، ويناصرون الحق، ولا يسمحون للظالم أن ينتصر.

 

لكنني أدركتُ شيئًا وأنا أرتشف قهوتي:

 

ليس كل من أحببناهم يستحقون أن نبحث عنهم في الحاضر، وليس كل من سكنوا ذاكرتنا يجب أن يسكنوا مستقبلنا.

 

بعض الأشخاص خُلقوا ليكونوا فصلًا أخيرًا في حكايتنا… لا صفحةً في كتابنا نقتنيها ونطويها، وبعضهم خُلقوا ليكونوا أبطالًا في روايتنا؛ أولئك الذين لا يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه الحكايات التي لا تنتهي، وحضورًا يبقى في القلب حتى وإن غابوا عن المشهد.

 

رفعتُ فنجاني، ونظرتُ إلى البخار المتصاعد منه، وابتسمت.

 

ربما لم أكن أحتاج إلى أن أنسى الماضي… كنت أحتاج فقط أن أخلع ذلك القناع في مكانٍ لا يعرفني فيه أحد، وأترك خلفه كل ما أثقل روحي، ثم أمضي… وكأنني أستطيع للمرة الأولى أن أنسى التاريخ، لا أن أظل أسيرةً له.

 

وفي تلك اللحظة، شعرتُ أنني لا أريد أن أمسح ذاكرتي بالكامل… فحتى الندوب التي تركتها الأيام كانت دليلًا على أنني نجوت.

 

أنا لا أريد حياةً بلا ماضٍ، أريد حاضرًا لا يحكمه الماضي.

 

أريد أن أستيقظ ذات صباح، فلا يكون أول ما يخطر في بالي سؤالٌ قديم، ولا وجهًا غاب، ولا موقفًا تمنيت لو تغيّر.

 

أريد أن أعيش اللحظة كما هي… دون أن أفتش في تفاصيلها عن شيء يشبه الأمس.

 

أريد أن أتعلم كيف أترك الباب خلفي دون أن أعود كل دقيقة لأتأكد أنه أُغلق.

 

فربما النضج ليس أن تنسى ما حدث، بل أن تتذكره دون أن يؤلمك.

 

وربما أجمل ما يمكن أن تمنحه لنفسك… أن تقول لها أخيرًا:

 

لقد تعبتِ بما يكفي… والآن حان دوركِ لتعيشي.

 

وضعتُ فنجاني على الطاولة، ونظرتُ إلى الساعة.

 

هذه المرة لم أكن أهرب من الوقت…

 

كنتُ مستعدةً لأن أبدأ به.

 

وفي النهاية، أدركتُ أن بعض البدايات لا تحتاج إلى ضجيج… يكفيها فنجان قهوة، وهدوءٌ يشبه حضنًا دافئًا، وقلباً قرر أن يمنح نفسه فرصة أخرى.

 

فالقهوة ليست مجرد رشفةٍ توقظ الصباح، هي رفيقة التفاصيل التي لا نستطيع قولها لأحد؛ نضع فيها تعبنا، وشرودنا، وذكرياتنا، ثم نرتشفها بهدوء… وكأنها تقول لنا: اهدئي، ما زال في العمر متّسع لحكاية أجمل.

 

أحب القهوة لأنها لا تسألني لماذا شردت، ولا تلومني حين أصمت، ولا تطلب مني أن أشرح ما يؤلمني… تجلس أمامي بصمت، وتمنحني من دفئها ما يكفي لأعود إلى نفسي.

 

وربما لهذا السبب، كلما ضاقت بي الحياة، بحثتُ عن فنجانها… لا لأهرب من واقعي، بل لأستعيدني.

 

ارتشفتُ آخر رشفة، وابتسمت…

 

فبعض الحكايات تبدأ من فنجان، وبعضها ينتهي به… أما أنا، فكانت قهوتي بداية الحكاية من جديد.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق