الدمام ـ علي العبدالكريم
صحيفة أضاءات الشرقية
في زمن تتدفق فيه الأفكار عبر الشاشات والحدود، تواجه الأسر تحديًا متزايدًا يتمثل في إدارة الاختلافات الفكرية والقيمية داخل البيت الواحد دون أن تتحول إلى صراعات أو قطيعة.
نعيش اليوم في عصر يتجاوز مفهوم العولمة التقليدي إلى ما يمكن تسميته بعصر التدفق الرقمي المفتوح؛ حيث تعبر الأفكار والثقافات والقيم الحدود الجغرافية في ثوانٍ معدودة، وتصل إلى أبنائنا عبر الشاشات والمنصات الرقمية أكثر مما تصل إليهم عبر المؤسسات التقليدية أو حتى عبر الأسرة نفسها.
لقد أصبح الأبناء يتعرضون يوميًا لكم هائل من الرسائل الفكرية والثقافية والاجتماعية القادمة من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط جديدة من التفكير والنظر إلى الحياة والعلاقات والقيم. ومع هذا الانفتاح غير المسبوق، بدأت بعض الأسر تكتشف وجود فجوة متنامية بينها وبين أبنائها، ليس بسبب ضعف المحبة أو غياب التربية، وإنما بسبب اختلاف المرجعيات والمؤثرات التي تشكل وعي كل جيل.
ومن هنا يبدأ القلق الحقيقي لدى الوالدين.
فالأب أو الأم لا يتألمان لأن الابن أصبح مختلفًا فحسب، بل لأنهما يشعران أن جزءًا من عالمهما الذي بنياه عبر سنوات طويلة أصبح يتغير أمام أعينهما. ويتضاعف هذا الألم عندما يتعلق الاختلاف بقضايا تمس الدين أو القيم أو الهوية أو طريقة فهم الإنسان لنفسه وللحياة من حوله.
وفي خضم هذه المشاعر المؤلمة قد يقع بعض الآباء والأمهات في فخ لوم الذات، معتقدين أن ما حدث هو نتيجة تقصير منهم في التربية أو التوجيه. غير أن هذه النظرة ليست منصفة دائمًا، فالتربية عامل مؤثر بلا شك، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يصنع اختيارات الإنسان.
وهنا يقدم لنا القرآن الكريم رؤية متوازنة وعميقة لهذه القضية. فقد نشأ ابن نبي الله نوح عليه السلام في بيت نبي كريم، وشهد دعوة أبيه سنوات طويلة، ومع ذلك اختار طريقًا مختلفًا. كما عاشت زوجة نبي الله لوط عليه السلام في بيت نبي من أنبياء الله، لكنها لم تتبنَّ المنهج نفسه الذي كان يدعو إليه.
ولا تُذكر هذه القصص لتبرير الأخطاء أو التقليل من أهمية التربية، بل لتذكير الإنسان بحقيقة جوهرية، وهي أن الهداية مسؤولية فردية، وأن صلاح الوالدين لا يعني بالضرورة أن جميع الأبناء سيسلكون الطريق نفسه. كما أن وقوع الأبناء في أخطاء أو تبنيهم أفكارًا مغايرة لا يعد دليلًا تلقائيًا على فشل الأسرة أو سوء التربية.
إن هذه الحقيقة تمنح الأسر قدرًا من الطمأنينة وسط الألم، وتدعوها إلى الانتقال من مرحلة جلد الذات إلى مرحلة العمل الإيجابي. فالأسرة لا تملك السيطرة على اختيارات أبنائها بعد مرحلة معينة من العمر، لكنها تملك أن تحافظ على الحوار، وأن تبقي أبواب التواصل مفتوحة، وأن تقدم النصح بالحكمة، وأن تجعل الدعاء رفيقًا دائمًا في رحلتها.
ولعل من أكبر الأخطاء أن يتحول الخلاف إلى قطيعة، أو أن يتحول الألم إلى يأس. فالتغيير الإنساني عملية معقدة وطويلة، وكثير من الناس أعادوا النظر في أفكارهم وقناعاتهم بعد سنوات من التجارب والخبرات والمراجعات الذاتية.
إن الأسر اليوم لا تحتاج إلى التخلي عن قيمها، كما لا تحتاج إلى التنازل عن مبادئها تحت ضغط الواقع أو الخوف من فقدان الأبناء. لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى الصبر، وإلى التوازن بين التمسك بالمبادئ والحفاظ على روابط الرحمة والمودة التي تقوم عليها الأسرة.
وفي النهاية، تبقى رسالة القرآن ورسالة الحياة واحدة: أن الابتلاء سنة ماضية على الجميع، وأن لكل أسرة نصيبها من الاختبارات. وما بين الصبر والدعاء والحكمة تبقى هناك مساحة واسعة للأمل؛ فالله سبحانه أعلم بالقلوب، وأرحم بالعباد، وأقدر على تغيير الأحوال مما نتصور.
لذلك، حين تواجه الأسرة تحديًا يتعلق بأحد أبنائها، فلتتذكر أن دورها هو بذل الأسباب، والاستمرار في المحبة الصادقة، والثبات على القيم، وترك النتائج لله سبحانه وتعالى؛ فهو وحده مالك القلوب ومصرفها.
بقلم: ثريا غازي العماري
باحثة ومدربة ومرشد أسري
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية




.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)
.jpg)















.jpg)

.jpg)





