الكاتبة - سميرة عبدالهادي .
في تمام الساعة 11:47 من مساء يومٍ الأحد ، كانت "إيزبيلا " تقف في محطة "غراند سنترال" القديمة بنيويورك؛ تلك المحطة المهجورة التي أُغلقت أبوابها منذ خمسة عشر عاماً.بسبب أنها
عثرت على تذكرة قطار قديمة صفراء اللون بين صفحات كتابٍ لوالدتها، وذلك بعد عشر سنوات من رحيلها، حين كانت تتصفحه صدفة. خُطَّ على التذكرة بخط اليد: "المحطة القديمة - الرصيف 3 - الساعة 11:50 مساءً - المقعد 17 - لا تتأخري يا "إيزبيلا ". ابتسمت في البداية ظنّاً منها أنها مجرد دعابة لكن فضولها تملّكها، فساقتها قدماها إلى ذلك المكان.كان الجو مظلماً وبارداً، صوت الريح يصفر بين القضبان الصدئة في محطةٍ لم تطأها عجلات قطارٍ منذ سنواتٍ طويلة، أمعنت النظر في ساعتها فإذا بها تشير إلى 11:49 وفجأة انطلقت صفارة قطارٍ قادمٍ من العدم. انبثق ضوءٌ قويٌّ من بين الضباب وتوقف أمامها قطارٌ أسود قديم يبدو كأنه خرج من أحد الأفلام ؛ لا صوت لمحركه بل بخارٌ كثيف يحيط به. انفتح الباب رقم (3) من تلقاء نفسه، ترددت قليلاً قبل أن تصعد ثم تجولت في الداخل بحثاً عن المقعد رقم (17)، كان القطار فارغاً تماماً إلا من ذلك المقعد حيث كانت تجلس امرأة تشبه أمها تماماً في ريعان شبابها كما في صورها القديمة. ابتسمت لها المرأة وقالت: "لماذا تأخرتِ؟ كنت أنتظركِ كل ليلة في الموعد نفسه لأعطيكِ هذا" ومدّت لها صندوقاً صغيراً. بيد ترتجف قامت بفتحه فإذا بداخله مفتاحٌ صغير ورسالة تقول: "هذا مفتاح البيت الحقيقي ليس الذي عشنا فيه اذهبي إلى العنوان المكتوب خلف التذكرة".قلبت التذكرة لتجد عنواناً لم تسمع به من قبل. رفعت رأسها لتسأل أمها لكن المقعد كان فارغاً وبدأ القطار يتحرك؛ لا إلى الأمام بل متراجعاً نحو الظلام. قفزت "إيزبيلا "بسرعة من أقرب باب قبل أن يُغلق وسقطت على رصيف المحطة بينما تلاشى القطار في الضباب في لمح البصر وكأنه لم يكن. بدأ المكان كقرية أشباح ؛ اللوحة المعلقة عند المدخل فقدت معالم حروفها فتدلى نصفها بينما سقط الآخر على الأرض. الضوء الوحيد كان مصباحاً صغيراً يرمش فوق شباك التذاكر ، يقاوم بقوة رغم تذبذب الكهرباء . الرصيف مبلل بقطرات المطر وتذاكر التي نصف تالفة تحمل حكايات أصحابها تتطاير في كل مكان بينما يتردد أزيز كرسي خشبي يهتز وكأن أحداً لا يزال يجلس عليه. التفت الأعشاب البرية حول القضبان الحديدية وأحكمت قبضتها عليها، ورغم الصمت المطبق كان يصم الآذان، ظنت في البداية أنها تحلم لكن حين تحسست المفتاح في يدها أيقنت أنها الحقيقة.
عادت أدراجها والضجيج في أعماقها لا يهدأ، هجر النوم جفنيها وظلت الأفكار تعصف بها حتى بزوغ خيوط الفجر. قادت سيارتها نحو ذلك العنوان الذي يبعد عن مدينتها قرابة الثلاث ساعات ونصف؛ وهناك لم تجد بيتاً بل مزرعة وردٍ فسيحة تمتد بطول الحياة التي تسكنه، يحيط بها سورٌ حجري تتسلق عليه أغصانٌ خضراء كأنها تعبت من ملازمة الأرض فتاقت لعناق السماء وحين اقتربت لتلمسها أبصرت الحارس يهرول نحوها وهو يهتف: "أهلاً بابنة صاحبة المزرعة!". اعتلتها الدهشة وسألته: "هل تقصدني؟"، فقاطعها قائلاً: "إيزبيلا"لقد مرت عشر سنوات ونحن بإنتظار عودتك؛ بحسب ما أخبرتنا به امك -( نعم لم تكن تلك التذكرة مجرد تذكرة قطار بل كانت تذكرة قدر)- طلب منها الدخول ثم جلس على مقعده بجانب الباب يتصفح كتاب، عبرت البوابة الحديدية الضخمة لتجد امامها مئات من شجيرات الورد المخملي النديّ، المورق والساحر، تتمايل كأنها ترقص فرحاً بقدومها وقد تلالأت قطرات الندى على بتلاتها طرباً. لم تكن رائحة الورد مجرد عطر، بل كانت ذكرى تأخذ بيدها لتعيدها طفلةً تركض
بين أحلامها التي رسمتها يوماً ما بألوان خشبية أملاً في تحقيقها، بينما كان خيالها يحلّق بعيداً شعرت باقتراب رجل عجوز قصير القامة، محدب الظهر، يرتدي ثوباً بسيطاً، يكسو شعره البياض وعيناه تفيضان بالدموع. قال بصوتٍ متهدج: "إيزبيلا ؟ أأنتِ ابنة أوليفا؟"
أجابته باستغراب: "كيف عرفتني؟"نظر إلى يدها وقال: "أنتِ نسخة منها. لقد زرعت أمكِ كل وردةٍ هنا بيدها، وقالت: إذا جاءت ابنتي يوماً ومعها هذا المفتاح -وأشار إليه- لتفتح به البيت الموصد".
ثم أرشدها إلى نهاية المزرعة، ووضع يده خلف ظهره ومضى في سبيله.
سارت إلى أن وقفت أمام بيتٌ حجريٌ صغير ببابٍ خشبيٍّ يعلوه قفلٌ صدئٌ لم يُفتح منذ سنوات. خفق قلبُها بتسارع وهي تُدخل المفتاح الذي جلبته معها من القطار. قاوم القفلُ في البداية لكنها ضغطت عليه بقوة حتى سمعت صوت "طق طق " معلناً انفتاحه. دفعت الباب فاستقبلها غبارٌ متناثرٌ في كل مكان، لكنها ذُهلت حين رأت البيت مُرتباً وكأن أحداً كان يسكنه بالأمس؛ ففناجين القهوة لا تزال على الطاولة، وصورٌ كثيرةٌ تزين الجدران، اقتربت من الصور كانت كلُّها لها: هي في طفولتها، مدرستها، يوم تخرجها، صورٌ التقطتها أمها خلسةً من بعيد.
وفي وسط الطاولة استقرَّ صندوقٌ خشبيٌّ كبيرٌ تعلوه ورقةٌ خُطَّت بكلمات أمها:«سامحيني يا ابنتي، لم أخبركِ أني بعتُ بيتنا القديم لأشتري لكِ هذه المزرعة. كنتُ مريضةً وأعلمُ أن رحيلي اقترب، ولم أرد أن تكبري في بيتٍ ضيق. أردتُ أن أترك لكِ مساحةً واسعةً تتنفسين فيها، مكاناً يشبه اتساع قلبك. كنتُ آتي كل شهرٍ لأزرع وردةً باسمك، فالمزرعة تضمُّ أنواعاً نادرةً من الورد رويتُها بقدر حبي لكِ والآن هي بين يديكٍٍَّ، والسرُّ الثاني تجديه تحت الطاولة».احتضنت الورقة وبكت حتى غشيت الدموع بصرها. انحنت فوجدت ظرفاً ثانياً سميكاً. فتحته لتجد فيه عقد ملكية المزرعة باسمها وكشف حساب بنكي بمبلغٍ كبير ورسالة أخيرة تقول: "القطار الذي جئتِ به لا يأتي إلا لمن يؤمن بأن الحب لا يموت حتى بعد الفراق. أنا لم أرحل بل سبقتكِ إلى المحطة لأحجز لكِ المقعد الأجمل؛ بنيتي ازرعي وردةً جديدة باسمي كل سنة". في تلك اللحظة سمعت صفارة القطار من بعيد هي ذاتها صفارة الأمس. ركضت إلى النافذة وأطلت على الأفق؛ لم يكن هناك قطار لكنَّ رائحة بخاره القديمة ملأت المزرعة ممتزجةً بعطر أمها الذي تعرفه جيداً. ابتسمت لأول مرة منذ عشر سنوات من صميم قلبها وهمست: "وصلت تذكرتكِ يا أمي".ومنذ ذلك اليوم لم تعد "ايزبيلا ء"تلك الفتاة الحزينة التي تنتظر في محطة مهجورة؛ فقد أصبحت صاحبة أشهر مزرعة للورد. ومع كل باقة تبيعها، كانت تمنح زبائنها بذرة صغيرة قائلة: "ازرعوها لمن تحبون، حتى وإن كانوا بعيدين؛ فالورد يجد طريقه دائماً".
انتهت قصتي
وقفة:
( من نحبهم بصدق لا يرحلون بل يسكنون بداخلنا للأبد )
دمت بخير يامن تقرأ لي .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)




.jpg)















.jpg)




