الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
منذ أن تفتحت عيوننا على تبصير الكون، عرفنا أن الأرقام تتسلسل: ١، ٢، ٣… وتعلمنا أن ٢ + ٢ = ٤، وأن هذه الحقيقة لا تقبل الزيادة ولا النقصان. ولو حاولنا يومًا إقناع معلمتنا بأن الناتج ربما يكون ٤ ونصف، أو أقل من ذلك، لاستحال عليها أن توافقنا.
وتعلمنا أيضًا أن الحياة تُقاس بالأبيض والأسود، وعلى قول إخواننا المصريين: «يا أبيض يا أسود». ولم يحدث أن أخبرنا أحد بوجود اللون الرمادي، بل تربينا على أن الحياة تنقسم إلى قسمين: خير وشر، ولا وجود لاختيار ثالث.
كانت تلك دروسًا منطقية… لكنها كانت دروس المدرسة فقط.
أما الحياة، فلم تكن يومًا منهجًا ثابتًا، ولا امتحانًا بإجابة واحدة. ففي كثير من الأحيان ننطق الرقم ١، ونستعد للإنتقال إلى ٢، فإذا بالحياة تقذف بنا إلى الرقم ٣ جبرًا، متجاوزةً كل ما حفظناه. وأحيانًا نجد أنفسنا نعيش في منطقة رمادية، لم تكن حلمًا سعينا إليه، ولا واقعًا تمنيناه، لكنها كانت المحطة التي فرضتها علينا الأيام.
ثم اكتشفنا أن الأرقام ليست مرتبة كما تعلمنا، وأننا لا نستطيع إعادة ترتيبها كما نشاء. وجدنا أنفسنا في سن العشرين، ثم التفتنا لنكتشف أن سنواتٍ كثيرة قد عبرتنا، لم نعشها يومًا بيوم، بل قفزنا فوقها قسرًا، حتى أصبحت التواريخ لا تتسلسل كما كنا نكتبها في دفاترنا.
وبدأنا نؤمن أن بين الخير والشر مساحاتٍ واسعة، قد نحتاج إليها لعبور كثير من العقبات. وإن كنا لا نؤمن باستعمالها إن خالفت مبادئنا وأخلاقنا، فإن مجرد إدراك وجودها يجعلنا نفهم الحياة أكثر، وربما كانت في بعض المواقف سلاحنا الوحيد للنجاة.
وأدركنا أننا بحاجة إلى إعادة ترتيب أنفسنا من جديد، وأن نحسب رياضيات المستقبل بطريقة لم نتعلمها في كتب الرياضيات. فليس كل الطرق تؤدي إلى روما كما قيل لنا، وحتى إن أوصلتنا إليها، فإن بيننا وبينها ألف عقبة، ومليون حفرة، وآلآف المعادلات التي عجزت الرياضيات عن تفسيرها.
ثم قرأنا قصة يوسف، فاكتشفنا أن إخوة يوسف منحونا درسًا عجزت الرياضيات عن تعليمه، وأن صبر يعقوب كان قانونًا لا يُدرَّس في المدارس، لكنه يُتقن في ميادين الحياة.
فهل كنا منذ سن العشرين وحتى اليوم في حالة إغماء؟ أم كان غباءً منا أن نظن أن الحياة تسير بالقوانين نفسها التي تعلمناها، وأن ١ + ١ = ٢ دائمًا، وأن النتائج حقائق ثابتة لا تتغير؟
لكن الحياة لا تعترف بكل ما حفظناه، فهي امتحنتنا بالإجابة، ولم تخبرنا بالسؤال مسبقًا.
علمتنا أن بعض الأرقام تُقفز، وأن بعض السنوات لا تُعاش بل تُختصر، وأن بعض النتائج لا تُقاس بصحتها، بل بما تركته في أرواحنا.
وحين كبرنا، أدركنا أن الخطأ لم يكن في معلمتنا، ولا في دروس الرياضيات، بل في ظنِّنا أن الحياة ستلتزم بالقوانين نفسها.
فالرياضيات تبحث عن ناتجٍ صحيح، أما الحياة فتصنع من كل نتيجة قانونًا جديدًا.
ولهذا لم تعد دهشتنا أن ٢ + ٢ = ٤، بل إن القلب لا يعيش بخط مستقيم؛ فاعوجاجه دليل الحياة، أما إذا استقام الخط… فقد انتهت الحياة.
لذلك لا تُقاس الحياة بالرياضيات، فالأرقام تبحث عن الكمال، أما القلوب فتتعلم من انكساراتها، وتنجو بما لا تستطيع المعادلات تفسيره.
وعندما ظننا أننا فهمنا قوانينها، بدّلت الحياة القاعدة مرةً أخرى، لنكتشف أن بعض الدروس لا تُكتب على السبورة، ولا تُحفظ في دفاتر المدرسة، بل تُكتب على أعمارنا… ونظل نتعلمها ما دمنا أحياء.
فاكتشفنا، متأخرين، أن الأرقام لم تخنّا يومًا، بل نحن من طلبنا من الرياضيات أن تُفسِّر الحياة.
ففي الحياة، قد يبدو ٥ + ٣ = ٩ أمرًا طبيعيًا، لأن الحياة لا تبحث عن صحة النتيجة، بل عن الدرس الذي تركته فينا.
هكذا هي الحياة… تُربك الحسابات، لكنها تُتقن تعليم الإنسان .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)


.jpg)



















.jpg)




