صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 يوم 0 87 0
البحار… الرئتان الحقيقيتان للأرض
البحار… الرئتان الحقيقيتان للأرض
البحار… الرئتان الحقيقيتان للأرض

البحار… الرئتان الحقيقيتان للأرض 

 

بقلم/ الدكتور هاشم محمد الحبشي

ـ عالم وباحث في علم وتقنية النانو، شيفرة النانو0369

ـ عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة.

- عضو هيئة مجلس العلماء العرب .

 

- رئة الأرض الحقيقية

حين يخطر في بالنا الأكسجين، نتذكر فورًا غابات الأمازون التي تُعرَف بـ "رئة الأرض". لكن الاكتشافات العلمية تكشف عن مصدر آخر وأهم: المحيطات. وفقًا لوكالة ناسا، تنتج العوالق النباتية (Phytoplankton) ما بين 50% إلى 85% من الأكسجين على الكوكب.

 

 

والأعجب من ذلك أن هذه المعجزة تتم على يد كائنات مجهرية، معظمها لا يرى بالعين المجردة، بل إن بعضها (مثل بكتيريا Prochlorococcus) يقترب حجمه من مقياس النانو (أقل من ميكرومتر). ولكن الأكثر إبهارًا هو أن عملية صنع الأكسجين ذاتها - التمثيل الضوئي - هي عملية نانوية بامتياز، تحدث على مستوى الجزيئات والذرات داخل هذه الكائنات الدقيقة، لتمنحنا أنفاس الحياة.

 

هنا تتجلى عظمة الخلق، عالم دقيق الصنع، مجهري في حجمه، نانومتر في آلياته، لكنه كوني في أثره،"صنع الله الذي أتقن كل شيء".

 

- عالم مجهري عظيم الأثر

 

تقوم هذه الكائنات الدقيقة، مثل الطحالب والبكتيريا الزرقاء (مثل Prochlorococcus - أحد أصغر الكائنات المنتجة للأكسجين على الإطلاق)، بعملية البناء الضوئي في الطبقات السطحية للمحيط، مُطلقةً كميات هائلة من الأكسجين.

 

وهنا يبرز بعد جديد للإعجاز: فحين نتحدث عن "النانو"، يجب أن نضع الأحجام في منظورها الصحيح. غالبية هذه العوالق النباتية يقاس حجمها بوحدة الميكرومتر (وهو جزء من المليون من المتر)، وليس النانومتر (جزء من المليار من المتر). فبعضها، مثل Prochlorococcus، يبلغ حوالي 0.5-0.8 ميكرومتر (أي 500-800 نانومتر)، بينما أنواع أخرى أكبر بكثير.

 

إذن، أين يكمن سر "النانو"؟ يكمن في العمليات الجوهرية لا في الحجم الإجمالي.فعمليات البناء الضوئي التي تنفذها هذه العوالق تحدث على المستوى الجزيئي (النانو متر) داخل عضياتها الخلوية. جزيئات الكلوروفيل وآليات تحويل الطاقة الضوئية إلى كيميائية هي عمليات نانوية دقيقة تنتج عنها جزيئات الأكسجين (O₂) ذاتها التي هي في حجم النانو. وهكذا،فإن هذه "المصانع العائمة" هي جسور كونية تربط بين العالم النانو والعالم الماكروسكوبي الذي نعيش فيه، لتمدنا بأنفاس الحياة.

 

إنه نظام إلهي دقيق الحجم، عظيم الأثر، يصوغ الحياة من حيث لا نرى "لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" 

 

- الرياح اللواقح، دورة إلهية متكاملة

 

يأتي الدور الحيوي للرياح في تجسيد هذه المعجزة الربانية. يقول تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).

 

لا يقتصر معنى "التلقيح" هنا على تكوين السحب وإنزال المطر فحسب، بل يتسع ليشمل عملية "الانزياح الرأسي" (Upwelling)، حيث تقوم الرياح بتحريك مياه المحيطات لتعمل على صعود المغذيات والمعادن من الأعماق إلى السطح، لتغذية العوالق النباتية التي تنتج الأكسجين. وهكذا، فإن الرياح تُلَقِّح المحيط بالغذاء، وتُنقل الأكسجين الناتج، فتُلَقِّح الغلاف الجوي ليصبح صالحا للتنفس، وتهيئ الهواء والماء للحياة.

 

- كنوز أخرى, معادن البحر ودورة التقدم

 

المحيطات لا تمنحنا أنفاسنا فحسب، بل هي مخزن هائل للمعادن والأيونات الأساسية للحياة والصناعة، من الصوديوم والمغنيسيوم إلى الليثيوم النادر، الي ايونات الذهب وافضه الي الذراة الاحادية، في دورة إلهية معجزة توازن بين عناصر الحياة والتقدم البشري.

 

- قراءة رقمية إطار شيفرة النانو9630

 

في إطار التأمل في إتقان الخلق، يمكن رؤية هذه الدورة الكونية من خلال نموذج الرقمي (0-3-6-9) الذي يظهر في أنماط الطبيعة:

· 0 (المحيط / الأصل): يرمز إلى المحيط الشامل، المصدر الأول الذي يحتضن كل شيء، وهو رمز الدورة الكاملة واللاّنهاية والأصل الذي يسبق الوجود.

· 3 (الرياح / الفعل): ترمز إلى قوة الحركة والنقل (الرياح) التي تبدأ دورة العطاء (تلقح السحب والمحيطات)، وتمثل القوة الفاعلة المحركة للنظام.

· 6 (الماء / الحياة): يرمز إلى الماء النازل من السماء والمحمل بالمعادن، وهو مصدر الحياة المباشر لكل الكائنات، ويمثل العطاء المادي الملموس.

· 9 (الأكسجين / الذروة): يرمز إلى الأكسجين (O₂) كذروة هذه الدورة ونتيجتها النهائية الذي يمنح الحياة، والرقم 9 في العديد من النظم يمثل الإنجاز والاكتمال والطاقة القصوى.

 

ليس الهدف من هذا الإطار إعطاء تفسير رياضي حرفي، بل هو نموذج يبرز النسق والاتزان والإحكام في خلق الله، حيث تترابط العناصر بشكل متسق ومتناسق لتحقيق غاية واحدة هي إدامة الحياة.

 

- مسؤولية أمام النعمة.

 

 فالبحار مختبر إلهي للحياة والطاقة حمايته مسؤولية بقاء الإنسان، ليست مجرد مسطحات مائية تحيط بنا، بل هي سرّ الحياة ورمز لقدرة الله في حفظ التوازن على الأرض. وحمايتها من التلوث والتعديات مسؤولية مشتركة بيننا جميعًا، لأنها ليست إرثا نملكه اليوم فحسب، بل أمانة سنورثها للأجيال القادمة. إن صون "الرئة الزرقاء" هو صون للإنسان ذاته، ووفاءٌ لنعمةٍ إلهية تستحق الشكر بالحفاظ والعمل.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
البحار… الرئتان الحقيقيتان للأرض

محرر المحتوى

جمعه الخياط
المدير العام
رئيس مجلس الادارة والمستشار الفني

شارك وارسل تعليق